مساحة إعلانية
بالكاد أستطيع أن أفتح عيني، حيث تتخلل نظراتي أشعة الشمس، تضايقني، تعاكس جفوني الصغيرة.
أنتظر يد أمي لتحجبها عني، ولكن أنَّى لها أن تأتي؟ فأنا لم أشعر بلمساتها إلا عندما حملتني؛ لتخرس صرخاتي، ثم فجأة ألقت بي إلى هنا.
طنين الذباب يزعج أذنيَّ ، أصرخ وأتلوى، وتذوب صرخاتي بلا مجيب، فالجوع يكاد يقتلني. أشعر أن قطرات تملأ فمي لا أدري من أين تأتيني، ولكني أتذوَّقها جيِّدًا، تروي ظمئي.
-ما هذا الكائن الضخم الذي جاء إليّ؛ ليمدني بخيط الحياة، فرحت أرتوي منه، فظننتها أمي , ولكنه لا يشبهني، يبدو أنه لا ينتمي إلى جنسي.
سمعت صوته يعوي كصوت صرخاتي عندما رأيتُ الحياةَ أول مرة؛ كلاهما مخيفان، إلا أنني لم أخف هذه المرة، فقد كان صوته يؤنسني.
أخذ يبعد عني كل ما حولي، حتى وصل إلى جسدي، وأخذ يلعقه بلسانه، حاول حملي فلم يفلح، لم تكن لمسته كلمسة أمي، بل ربما استشعرتُ حنانًا ودفئًا أكثر. شكرت ما فعله لي، فلقد مسح عني هذا النمل الذي يأكل في جسدي، كنت أتعجَّب وأناجيه:
-أيها النمل، أنا بشر.. لست جزءًا من تلك البقايا الملقاة من حولي، لتأكل في جسدي، وتختزن منه داخل جحورك.
لكن ما ذنب النمل؟ إن كنت أنا فعلًا بقايا بشر مُلقى وسط القمامة، وفجأة جاءت قطة تحمل ابنتها الصغيرة بين أسنانها، وداستني وهي تهرول هاربة بها؛ لتحميها من أطفال يريدون الإمساك بهما، ثم سمعت أصوات أناس من حولي، فحاولتُ الصراخَ لعلهم يرونني، ولكن صوت السيارات وضجيج المارة كان أعلى، فضاعت بينهم صرخاتي.
شعرتُ بأكياس تُلقَى فوق رأسي تخنقني، ثم عادت الكلبة من جديد لتمدني بالحياة ، تشممتني تحت أكوام القمامة، حاولت رفعها عني ، لتجدني وقد صعدت روحي مع صرخاتي .