مساحة إعلانية
كان بيتُ أبي مكوّنًا من طابقين من الطوب اللبن ، تفوح منه رائحة البخور والعطور، مُعمَّرًا بالجود والكرم، لا ينقطع فيه إطعام الفقراء والمساكين من أهل الحي والجيران، والبركة لا تغادره.
ورث عن جدّي مهنةَ الجزارة وموهبةَ الشعر. ربّى جدّي عمّاته اليتامى السبع حتى تزوّجن، فصارت قصته مضربًا للأمثال.
كان أبي مهابَ الطلعة، شديدَ الوسامة، وفي عينيه حورٌ يبوح بالأسرار.
ربّى أولاده الخمسة، وعلى رأسهم أُنثاه الوحيدة، على الرحمة تجاه كل الكائنات. وكانت هناك قطةٌ شديدةُ البياض، تألفنا ونألفها؛ تدقّ باب الدار، كأنها تستأذن، ثم تجلس بجوار أبي ليطعمها بيده.
كان إخوتي لا يتناولون الطعام إلا في حضورها، ويسودهم القلق إن تأخرت.
فجأةً ظهرت، ولونها الأبيض غارق في الدماء. جلست بجوار أبي، كأنها تودع ألمها في عينيه. أسرع بها، وأُجريت لها الإسعافات الأولية.
قيل له إن طفلًا ربط عنقها بحبل، وجرّها في الشوارع حتى نزفت.
سبقت رحمةُ أبي غضبَه. كان الطفل يرتعد؛ منحه قطعةً من الحلوى، ووعده بالمزيد إن أحسن معاملة الحيوانات.
ومرّت الأيام، رأى الطفل يعتدي بالعصا على كلبٍ صغير. قبض أبي ما بين عينيه، واستشاط غضبًا، وكاد أن يخلع أذنه، لكن صراخه أيقظه من شهوة الغضب.
أجلسه معنا، حتى صار مثلنا، يطعم القطة بيده ويغمرها بالرحمة.
كبرنا جميعًا، وتخرجنا من كليات القمة.
صراخٌ… عويلٌ… يهزّ البيت. ربُّ البيت في سكرات الموت. جمعنا، وطلب منا ألا نقطع هذه السُّنّة الحسنة.
رحل أبي، تاركًا صورةً كبيرة تزيّن الصالون، يظهر فيها بجلبابه الأنيق، وطاقيته، وعباءته السمراء، رافعًا يده متضرعًا إلى السماء—كما عاش—يزرع بذور الخير.
يا للهول! اختفت القطة البيضاء قبل وفاته بأسابيع، ولم نفهم غيابها.
ومرّت ثلاث سنوات. وعلى غير ميعاد، ظهرت. وقفت أمام صورته، ترفع قدميها الأماميتين، وتثبت نظرها عليها.
رحلت… وبقي المشهد عالقًا في قلوبنا، كأن فيها غرفةً ثالثة لا تنبض إلا بما لم نفهمه.
ومن يومها، كلما خفقت قلوبنا، سألنا أنفسنا: من الذي كان يُعلّم الآخر؟