مساحة إعلانية
لا يحلو لهما السهرُ إلا في هُوَيْدِ الليل، وكأنّها قاعدةٌ عامّة: ينامُ الخلقُ، ويصفو كلُّ حبيبٍ بحبيبه.
يضمُّ جدعون كفَّها الصغيرةَ الباردةَ طوالَ العام، صيفًا وشتاءً. يغلقُ عليها كفَّهُ الكبيرةَ القادرةَ على إخفائها تمامًا، ويصعدُ بها درجاتِ السُّلَّمِ قاصدًا السطح، فهناك تبدأ خلوتُهما.
تفرشُ حرامَ الصوفِ القديم، رغمَ وفرةِ السجادِ العجميِّ في بيتِهم. لكنّهُ إرثُ أبيه، وقال إنّه سيكونُ إرثَها من بعده.
تبتسمُ ابتسامةً خفيّةً خشيةَ أن يلحظَها فيكتشفَ أنّها استصغرتْ إرثَهُ.
جدعون يظنُّ أنّ الحرامَ بساطُ الريحٍ، وأنّ أنفسَ الأشياءِ أبسطُها، يحتفظ به لأنّهُ لا يزالُ معبّقًا برائحةِ أبيه رغمَ تقادمِ الزمن.
يجلسُ متربّعًا، وتضعُ أمامهُ المصحفَ متّكئًا على كرسيٍّ خشبيٍّ أعدَّهُ لسندِ المصحفِ عليه، فيبدأُ بالترتيل.
وفي بعضِ الليالي لا يطولُ ترتيلُهُ، فيقرأُ ما تيسّرَ ثمّ يشرعُ في الحكاياتِ الليليّة.
وهي صاحبةُ الاختيارِ دائمًا؛ تسألُ فتكونُ الإجابةُ أقصوصةً.
لم يكن جدعون مجرّدَ جدٍّ ربّى حفيدتَهُ الوحيدةَ بعدَ وفاةِ ابنتِهِ الوحيدةِ على ثلاثةَ صبيان.
كانت سُهى تحملُ صفاتِ أمِّها كلّها: العينِ البنّيتينِ اللامعتين، والفمِ المرسومِ كعنقودِ عنبٍ قرمزيّ، ورقّةَ القلبِ وحبَّها لجدِّها.
ربّما أنسته حزنه ، أو أعانتْهُ على التناسي.
لكنّ سُهى كانت تعلمُ ما يخفيهِ صمتُهُ.
جاءت سهى الدنيا فى ليلة كالحة ، ليلةً عسيرةً.
مكثتْ سعادُ يومينِ كاملينِ تصارعُ الطّلقَ وحدَها. كان الوجعُ يجيءُ موجًا فيكسرُها، ثمّ يتراجعُ ليعودَ أشدَّ قسوة. عرقُها يبلُّ الوسادة، وأناملُها تعتصرُ طرفَ الملاءةِ حتى تفرّقتْ خيوطُها.
وجلسَ جدعونُ على حافّةِ الفراش، جامدَ الوجهِ، يمسكُ يدَ ابنتِه ويقول: اصبري يا سعادُ، اصبري يا ابنتي، حتى ينفرجُ الكربُ.
لم تحركه ألامها ولا تضرعها المبحوح: أوصلني إلى المشفى يا أبي، أشعرُ أنّي أموت .
فيردُّ عليها بالجملةِ التي ورثَها عن أبيه: عيبٌ يا ابنتي أن يراكِ طبيبٌ رجل. ستركِ أولى من روحِكِ .
أمّا القابلةُ العجوزُ فكانت يداها ترتجفانِ، وعيناها تقولانِ ما عجزَ لسانُها عنهُ: إنّ الأمرَ ليسَ على ما يُرام.
وفي فجرِ اليومِ الثاني انفرجَ الكربُ دفعةً واحدة.
صرخةٌ واحدةٌ شقّتْ سكونَ البيتِ... صرخةُ سُهى.
فتحتْ سعادُ عينيها، والهزالُ قد أطفأَ وجهَها، وابتسمتْ ابتسامةً مكسورةً وقالت كلمةً واحدة: سُهى ،ثمّ أسلمتْ روحَها.
ومنذُ تلكَ اللحظةِ لم ينطقْ جدعونُ اسمَ «سُهى» بصوتٍ مرتفعٍ ، يخشى أن ينطقَهُ فيعترفَ أمامَ نفسِهِ أنّهُ كانَ سببَ الفجيعة.
رفضَ أن يذهبَ بها إلى المشفى مخافةَ العيبِ وكلامِ الناس، فضيّعَ الابنةَ في سبيلِ حفظِ المروءةِ الزائفة.
وكلّما نظرَ إلى وجهِ حفيدتِه، رأى فيهِ ظلَّ ابنتِه وهي تودّعُ الدنيا بعينِين تقولان: كنتَ تقدرُ تنقذَني .
لكنّ سُهى كانت نفحة من الرحمن ،لم تحاسبْهُ.كانت قادرة على احتواءه ، تضمُّهُ أقوى كلّما لاحظتْ صمتَهُ الطويل، كأنّها تقولُ بلا لسان: أنا هنا يا جدّي، ولم أغضبْ منك .
وفي الليالي المقمرةِ يملأُ ضوءُ البدرِ السطحَ، فيزيدُ جدعونُ في ترتيلِهِ إلى نصفِ الليلِ أو أكثرَ قليلًا.
ولا تملُّ سُهى مجلسَهُ، تنصتُ للتراتيلِ، وتستمتعُ للحكاياتِ القديمةِ عن سليمانَ ويوسفَ وإخوتهِ، وموسى والخضرِ، والبناتِ السبع.
ومجرّةُ البناتِ السبعِ ،هي ذاتُها ما يُسمّى فلكيًا ذاتِ الكرسي .
الهواءُ ساكنًا، والسماءُ صافيةً كلوحِ زجاج. أشارَ جدعونُ بإصبعِهِ إلى الشمالِ وقال:
انظري يا سُهى. هناكَ حيثُ يلمعُ المربعُ الأربَع، ومن بعدِهِ النجمتانِ القريبتان، ثمّ السابعةُ المنفردة. تلكَ بناتُ نَعش .
سكتَ لحظةً، كأنّهُ يجمعُ شتاتَ صوتِهِ، ثمّ أردف :كانَ لهنَّ أبٌ شيخٌ فاضلٌ في قرية قديمة. لم يرزقْهُ اللهُ إلا بالبناتِ السبع.
وكانَ رجالُ القريةِ يعيّرونَهُ ليلَ نهار: يا أبا البنات! ما أنتَ إلا رجلٌ أبتر بلا عقب!.
فيسكتُ الرجلُ، ويبتسمُ ابتسامةَ من أيقنَ أنّ العزَّ ليسَ بالذكورِ وحدَهم.
ثمّ مرضَ الشيخُ مرضَ الموت.
ولمّا أحسَّ بدنوِّ أجلِهِ اوصى بناتِهِ:إذا متُّ، فلا تدعنَّ أحدًا يحملُ نعشي غيرَكُنَّ. لا أريدُ أن يُقالَ بعدَ موتي: ماتَ أبو البناتِ فحملَهُ الغرباء .
فلمّا ماتَ، حملْنَهُ على أكتافِهنَّ.
ستٌّ منهنَّ قوياتٌ، والسابعةُ كانتْ عرجاءَ منذُ ولادتِها، تمشي على عكّازٍ من خشبِ الزيتون.
لكنّها أبتْ أن تتخلّفَ عن أخواتِها. قالتْ: إنْ عرجتُ في الأرضِ، فلن أعرجَ في الوفاءِ لأبي .
حملنه إلى مثواه قبيلِ الفجر، والناسُ ينظرونَ من شرفاتِهم ويهمسون: انظروا إلى الجنون! نساءٌ يحملنَ نعشَ أبيهنَّ!.
فلمّا وصلنَ إلى المقبرةِ ودفنّهُ، رفعنَ أكفَّهنَّ إلى السماءِ وقلنَ:
اللهمّ إنّا حملناهُ في صحّتِهِ ومرضِهِ، وفي عزِّهِ وذلِّهِ. فلا تتركنا بلا كرامةٍ بعده.
فاستجابَ اللهُ لهنَّ.
رفعهنَّ جميعًا إلى السماءِ نجماتٍ، وجعلهنَّ علامةً لا تخفى على أحد.
أمّا السابعةُ العرجاءُ، فجعلَها منفردةً بعيدةً قليلًا، تذكيرًا بأنّ النقصَ في الجسدِ لا ينقصُ من قدرِ الروحِ شيئًا.
ومنذُ ذلكَ اليومِ، كلُّ من نظرَ إلى بناتِ نَعشَ تذكّرَ أنّ الوفاءَ لا يُقاسُ بالقوّةِ ولا بالعدد، وأنّ البنتَ قد تكونُ لأبيها خيرًا من مئةِ ولد .
صمتَ جدعونُ طويلًا بعدَ الحكاية.
ثمّ التفتَ إلى سُهى وقال بصوتٍ خافت: وأمُّكِ يا سُهى... كانتْ بالقوة التى جعلتها تحمللكِ رغمَ الألمِ، ومن قبلك حملتْني أنا.
وأنا... أنا كنتُ من أهلِ القريةِ الذينَ همسوا وخذلوا.
رفعتْ سُهى كفَّها الصغيرةَ ووضعتْها على كفِّهِ الكبيرةِ المرتعشة.
قالتْ: وأنا يا جدّي، صرتُ النجمةَ السابعة. المنفردةُ، لكنّها لا تُنسى.
فلا تقلْ إنّكَ خذلتَ. قلْ إنّكَ وجدتَني .
فضحكَ جدعونُ ضحكةً مبلولةً بالدمعِ لأوّلِ مرّةٍ منذُ سنين، وقال: إذنْ، فلنسمِّكِ من الليلةِ: نجمةُ الوفاء.
من تلكَ الليلةِ صارتْ سُهى إذا رأتْ النجمةَ السابعةَ وحدَها في السماء، تهمسُ:
هذي أنا. وهذي قصّتُنا.