مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

قراءة في كتاب الجميلة والمقدَّس لفتحي عبد السميع .. بقلم مصطفى جوهر

2026-04-13 01:08 AM  - 
قراءة في كتاب الجميلة والمقدَّس لفتحي عبد السميع .. بقلم  مصطفى جوهر
الشاعر والناقد مصطفى جوهر

ثنائيةُ النَّصِّ قراءة في كتاب (الجميلة والمقدَّس) الدراسات الشعرية نموذجًا  

الكتاب الذي بين يَدَينا الآن، ونحاول الولوج إلى عالمه، كتاب لأديب، حاز اللقبَ بجدارة، حيث تنوَّع إنتاجُه الأدبي، بين القصيدة، والمسرح الشعري، والدراسة النقدية، والكتابة البحثية، وكلُّها دروبٌ شاقَّة، تستدعي وتتطلَّب من خائض غمارِها أدواتٍ متنوِّعةً، من حيث آلية الطرح، ومرتكزات الانطلاق، ولعلَّ أهمَّها القدرة على الرصد، والبصيرة الثاقبة، التي تجنِّد الحواسَّ، والمكتسباتِ جميعَها، للانتقال من مجهول إلى مجهول جديد، قد يراه البعضُ معلومًا، لكنها عتبةٌ على طريق المعرفة، والشاعر فتحي عبد السميع حينما يعكف على تجربة شعرية يُخلِص لذاته محترِمًا عقلية متلقِّيه وقارئيه، ساعيًا إلى وضْع عدد من الألغام في حقل الأدب، تنفجر عند الضغط الملائم، فلم يضعْها بعشوائية، ونراه راصدًا لمتغيرات مجتمعية ونفسية وسياسية تحيط به وبنا، كما أنه حينما يضع يدَه على أعمال أنداده، لا يعطِّل أدواتِه تلك، بل يجعلها في قمة جاهزيتها، ليُخرج لنا بلُطف مشرط الجرَّاح، وسحر الماسح الضوئي، في خفَّة عبور كلٍّ منهما، صورةً موازيةً لكنها توضِّح مكامنَ الخطر، ومواضعَ القلق، وزهراتِ الجَمال، حيث تعتمد الدراسات في الكتاب على "استنطاق العمل الأدبي من خلال البحث في جمالياته، لكن دون الفصل بين الجمالي والمعرفي، فكي نتذوَّق عملاً نحتاج إلى وعي بدلالاته".

وحينما يلقي بنفسه في خضَمِّ البحث، ينتقي دربًا غيرَ مطروقٍ، ويغامر بدخول متاهاته، وتتفتَّح له السُّبُلُ، ليخامرَه نهمُ طلبِ المزيد، فيندفع في المتاهات، واضعًا لها خرائطَ جديدةً، تيسِّر على القادم من بعده سياحته في تلك المفازات؛ "فهي لا تنتمي لمجال الشائع والمألوف، وكلَّما ابتعدت عن الشائع والمألوف؛ ارتفعت قيمتها لدَينا، وكلَّما غرقت في الشائع والمألوف؛ كلَّما شعرنا بأنها مبتذَلة، ونفَيناها بقسوة من عالَم الجَمال"، وهو ما كان من تصاعُد فكرة الثأر، من كتاب القربان البديل إلى مجلّدات تقتفي أثَر الحالة.

وكتاب الجميلة والمقدَّس اشتمل على ثماني دراسات لنصوص مختلفة في نوعها الأدبي، وفي أجيال كتَّابها، مرتكِزًا على صور المقدِّس التي تطرحها تلك النصوص، والتي قد تنقل لنا وعيَ الكاتب الأول، حيث يعيد الكاتب الثاني ترتيب الأوراق، وفْق معطيات يراها، وعلاقات قبضَ على مساراتِها؛ فجاءت مقدمة الكتاب، مدخلا تنظيريًّا مهمًّا، يفتح الشهية لمتابعة القراءة، ويقول للقارئ بأهمية ما هو مُقدِم عليه، مؤكِّدًا على أهمية تلازُم الجَمال ونُبل الطرح المعرفي معًا في طيَّات النصِّ الأدبي، ويرى الكاتب:  "في رحاب موضوع المقدَّس نجد أنفسَنا في أفضل وضْع ممكن لتوحُّد الشكل بالمضمون؛ فالمقدَّس في ذاته حالةٌ جمالية".

والكتاب بتنويعاته يحتاج إلى عدّة قراءات عارضة، ومشتبكة مع الدراسات على تنوُّع القوالب التي تناوَلها بالدرس، لكننا هنا سنركِّز على جانب القصيدة الشعرية، لما لها من علاقة بين وعي النَّصَّين الأول الإبداعي، والثاني النقدي الإبداعي، فكلا الكاتبَين شاعرٌ، لنرى كيف يرى الشاعر شاعرية غيرَه، وكيف يستفيد من أدواته الخاصة في الوقوف على مناطق الجَمال عند غيره، كما أن الشِّعر كان الأقرب دومًا إلى منطقة المقدَّس، فكانت لغةُ كلاهما ضبابية، تعتمد الرمزَ، وتنطلق من خلال إلقاء الشِّفرة، وتركيز اللغة.

والغموض الذي يكتنف المقدَّس بصوره الأسطورية، ومبالغات الإنسان عبْر تنقلاته الحضارية، واستقباله لمستجدات الحياة، أضفى على المقدِّس جَمالًا وبهاءَ، في تخييله، وجلالًا حتى في مفرداته، وظَلَّ أكثر المكتسبات المعرفية – بصحيحها وأغلاطها – التصاقًا بوعي الإنسان منذ استُخلِف على هذه الأرض.

يفتتح الكتابُ تناولاتِه النقديةَ بأن سلَك دربَ اللغة، وهو الطريق الأكثر إشراقًا في ثنائية الجَمال والمقدَّس، تلك القشرة البرَّاقة التي تعادِل الخديعة أو بلوغ التشبُّع الجَمالي، فكانت قراءة (اللغة الخلَّاقة والحروف المقدسة) متناوِلًا كتاب المحو للشاعر أحمد فؤاد جويلي، ويرى الكتاب أن "اللغةَ قِوامُ الكتابة الإبداعية، وهي بالنسبة للمبدع تساوي حياتَه، فباللغة يبني الشاعرُ عالمَه الخاصَّ، ومن خلالها تتحقق كينونتُه، ورغم أن اللغةَ تسبق الشاعرَ، إلا أنه يرثها كجزء أصيل من هُوَيَّتِه، غيرَ أنه مطالَب دائمًا بإبداع لغة داخل اللغة، لغة تحمل بصمته، وتسعى دائما إلى تجاوز المتوارَث، والمعروف سلَفًا".

هذا المفتتح ينقلنا إلى وعيين مهمين، وعيُ النَّصِّ الأول ووعيُ النَّص الثاني، إن ما يشغلني كثيرًا عند قراءة دراسة نقدية، ليس عطاء الكاتب فقط، بل ومغامرة الناقد، فالنَّص الأول - الذي استطاع أن ينحت لغة خاصة، قد تدور في فلك المقدِّس، لكنها خالقة لجَمال - امتلك جدارة واستحقاق انتباه النصِّ الثاني، فكان الوعي الثاني بمثابة اليد النابشة، ثم القَدم المغامِرة بالخطو، تمهيدًا لمرور طابور العابرين في مسالكَ ممهدةٍ، وإن لم يلتزم الناقد بخرائط الكاتب، هذا لا يعني عدم بلوغه بعض المقاصد، بل لعله يفتح أمام الكاتب ذاته أبواب خروج من متاهته، غابت عن وعيه مؤقتًا، لتكون بوَّاباتِ خروجٍ جديدةً في متاهاتٍ أخرى قادمة، فيرى الكتاب أن "الحضور الصوفي في الديوان جاء عبْر ثلاث محطات: الحضور المباشِر للتصوُّف من خلال استدعاء الشخصية الصوفية، وأثَر ذلك الاستدعاء على تجربة الشاعر ككل، وفي المحطة الثانية نتوقَّف مع اللغة باعتبارها وسيلة للخَلق، لا للتعبير فقط، وعلاقة ذلك بالتصوُّف، وفي المحطة الأخيرة نتوقف عند الحروفية ورمزيتها الصوفية".

القراءة هنا تضع يدنا على آليات النَّص: حيث أتت التجربة في "صوت عربي منكفئ على حال أُمته الأليم، تتراوح نبراتُه بين النشيد والنشيج والنبوءة.. والشاعر يعتمد كثيرًا على السطر الشعري الطويل، الذي يعبِّر عن حالة فوران داخلي" وهذا ما يهمنا عند قراءة دراسة نقدية، أن نقف على نفسية الشاعر، وندرك إلى أيِّ مدى جاءت أدواتُه مواكِبة وخادمةً لوعي النَّص.

والملمحُ الصوفيُّ أحد أهم المناطق التي يلتقي فيها النَّصُّ الإبداعي بالمقدَّس، ذلك الملمح الذي خلَق قاموسَه الخاص، وفتنَ الناس شعراءَ ومتلقين، بشطحاته المعرفية، التي استدعت لغة خاصة، تسعى إلى التماشي مع جموح التخييل الأسطوري، فيرى الكتاب في تناوله لديوان الشاعر أشرف البولاقي، واحد يمشي بلا أسطورة: أن "الأساطيرَ في أبسط تعريفاتها، أنها حكايات الأولين المقدَّسة، وترتبط بالشِّعر من حيث اللغة المحلِّقة، وقوامها المجازي، الذي يتداخل فيه الخيالي مع الواقعي تداخلا قويَّا". وهو ما جعل النَّصَّ الثاني يرى ضرورة المراوَحة بين الشكل والمغزَى؛ حيث لا يتم استيعاب أحدهما بمعزل عن الآخَر، وهي منطقة تداخُل أخرى تندرج تحت تداخُل الواقعي بالخيالي.

والثنائية في ديوان البولاقي تتجلَّى - كما يرى الكتاب - في مقابلة الفرد بالمجموع، واحد مقابل أسطورة، "كلمة أسطورة تشير إلى طرف الصراع الآخَر، وهو الجماعة التي ينتمي إليها بطل القصيدة، فالأسطورة شكل ثقافي يعبِّر عن جماعة". بل إن الكتاب يرى أن النَّصَّ يحمل جانبًا تأويليًّا مغايرًا، وهو ما يرسِّخ تلك المقابلة، ويؤكد النصَّ الثاني على أن النصَّ الأول لم يَقبْل أن يتحمل التضحية، وحاول أن يورِّط الآخَر معه، فكان اعتماده الدائم على حشْد الأسئلة، وإلقاء قنابل الاستفهام بين يدي المتلقي، ومن خلال تفاعلهما؛ يحدُث الانفجار المعرفي المرجو، وهو ما جعله يلقي سؤاله مندهشًا: "تُرى كيف تمَّ بناءُ تلك القصيدة الطويلة؟ وكيف صبَّها الشاعر في كتلةٍ واحدة؟"

ثم يسعى من خلال مَحاوِر الدراسة أن يتلمَّس إجابةً ما، فاتحًا عين القارئ على أهمية البناء، وضرورة وجود عمود فقري يتأسس عليه الهيكل، ومن ثم البناء الكُلي للنَّص، فيتطرَّق إلى "كثافة الشخصيات: وقد قامت تجربة الشاعر على حشْد تلك الشخصيات في جبهتَين متصارعتين، لكنها تتحرك جميعًا في إطار معيَّن، وكأنها وجوه متعدِّدة لشخصية واحدة".

ولعل تاريخ التصوُّف اللصيق بالشعر عبْر منجزات الحلاج وابن الفارض وابن عربي، ورسوخ اللغة الشاعرة، أو شاعرية اللغة، حتى في نصوصهم النثرية، كما هو الحال مع النِّفَّري، هو ما فتنَ الشاعر المعاصر والمتلقي معًا، ليذوبا في محبة هذا القالب، والوِردُ أحد أهم المفردات والطقوس الصوفية، من هنا كان الدخول إلى عالم (قبَّلتُ وردَتَها) للشاعر محمود الأزهري، إذ يرى النَّصُّ الناقد أن النَّصَّ المبدِعَ هنا غارق في الحضور الصوفي عبْر مَحاوِرَ ثلاثةٍ: فضاء النَّص، وهي الخلفية التي يتم عليها رسْم النَّص وشخوصه وتحركات الحدث، فكان فضاء التصوُّف هو الوعاء الذي احتوى النَّصَّ، من خلال المكابدات والسَّكَرات للترقِّي من مقام إلى آخَر، ثم يأتي المحور الثاني: الرمز الصوفي، وقد انتقى الأنثى، صفية، التي يحمل جرْس حروف اسمها، مقامات الاصطفاء والصفاء والنقاء، ثم يكون المحور الثالث: قناع الذات الشاعرة، وهو الهيئة التي يتخفَّى فيها الشاعر ليرويَ، أو لينقل من خلالها مكنوناتِه، والتي لم تخرج عن فضاء النَّص، فكانت في ظِل القاموس المتعارَف عليه، الشيخ والمريد والدرويش، ويرى الكتاب هنا أن الديوان تطرَّق إلى منطقة التصوُّف الشعبي: "فلم تتخذ من الرموز الصوفية قناعًا لها، كما فعَل عددٌ من الشعراء، بل اعتمدت على علاقة خاصة بالتصوف" حاولت المَحاوِر الثلاثة كشْف تجليات الحضور الصوفي، "وأهم ما يميِّز تلك العلاقة هو ما تتركه من انطباع قوي بأنها ليست وليدةَ الثقافة، بل المعايشة؛ يبدو الشاعر هنا منطلِقًا من خبرة واقعية، يدرك من خلالها معنى الولِيِّ ومعنى المُريد، كما تكشف لنا عن ماهية الذات الشاعرة بامتداد الديوان، وطبيعة علاقتها بفضاء التصوُّف، وهكذا نجد المراوَحة بين الأفق الروحاني العميق، والأفق الواقعي بكل مشاكله وأزماته.

ولعل ما يربط التجارب الثلاثة كونها نَصَّ حالةٍ ممتدة، يبرز فيها الاتكاء على زوايا وأعمدة الخطاب المقدَّس، من إغراق في قاموس صوفي، إلى ابتكار أو الاستفادة من الرمز، وبالتالي نكون أمام حالة متسائلة أكثر منها مجيبة.

مساحة إعلانية