مساحة إعلانية
في دياجير الحياة وعواصفها، يمر المرء بأوقات يظن فيها أن العالم كله يتآمر ضد مبادئه نمضي في طرقات العمر، نفتح أبواب أرواحنا على مصراعيها، نمنح الثقة والمحبة بلا حساب، ونشيد في مخيلتنا قصورًا من الأمان نسكنها مع من نظنهم سندًا وذخرًا
نغمض أعيننا طواعية عن الهفوات، ونصنع من خيوط الوهم أعذارًا واهية لنحمي صورة أولئك الذين نحبهم.
لكن، ثمة لحظة تأتي في العمر لا مفر منها، لحظة تتوقف فيها الأرض عن الدوران لدقيقة واحدة، لتمنحك تلك "الرؤية الواضحة".. اللحظة التي تسقط فيها الأقنعة، ويتعرى الزيف، وتنكشف الملامح الحقيقية لمن حولك
العلاقات الإنسانية في جوهرها هي ملاذ الأمان ومصدر الدفء؛ يبنيها الإنسان على الراحة، الثقة، وتبادل الدعم وعندما يقدم المرء أفضل ما يملك لأشخاص اعتبرهم جزءاً من روحه ، فإنه يفعل ذلك بدافع الحب الصادق والرغبة في رؤيتهم سعداء.
لكن، حين يقابل هذا النبل بنكران الجميل، تقع الصدمة الكبرى.
هنا يتحول المعروف إلى سكين، ويصبح الجحود طعنة قاسية تأتي من الأقربين، لتدفع بالمرء إلى عزلة روحية مظلمة وعميقة
ليس أشد إيلامًا على النفس البشرية من أن تأتيك الطعنة من المكان الذي أودعت فيه أمنك.
الصدمة لا تكمن في قسوة الموقف ذاته، بل في هوية من خذلك.
إنها تلك الرجفة التي تسري في الجسد عندما تلتفت في قمة انكسارك، وتبحث عن اليد التي طالما شددت عليها، فلا تجد سوى الفراغ، أو الأسوأ.. تجد برود أو شتات تصدر ممن كنت تظنه محبا مخلصا لك
في تلك الثواني الفاصلة، تسقط الأقنعة الملونة التي ارتداها البعض لسنوات.
تتبخر الوعود المعسولة التي قيلت في سهرات الرخاء، وتجف مياه العواطف المصطنعة بمجرد أن شحت منابع المصلحة
هنا عزيزى القارىء تجد نفسك وحيدًا في مواجهة حقيقة عارية ، لقد كنت تحب وهمًا، وكنت تعطي من لا يستحق.
هذه الاستفاقة تشبه الاستيقاظ على سطل من الماء المثلج في ليلة شديدة البرودة مرعبة، ومؤلمة، وتنتزع أنفاسك من الصدر انتزاعًا
حينها تسقط كل الأقنعة، تبدأ في التشكك في كل شيء ، في وعيك، في ذكائك، وحتى في قدرتك على قراءة البشر
تسأل نفسك في جوف الليل بنبرة يملأها الانكسار: "كيف لم أرَ ذلك؟ كيف انطلت عليّ تلك الوجوه المستعارة ؟"
لكن الحقيقة العميقة هي أنك لم تكن مغفلًا، بل كنت نقيًا.
كنت تقيس معايير الآخرين بمسطرة نبل قلبك، ولم تكن تدرك أن بعض البشر يتقنون ارتداء الوجوه كما يرتدون الثياب، ويغيرونها حسب الفصول والمصالح
وتكمن القسوة البالغة في الجحود عندما يصدر من الدائرة القريبة؛ كصديق عمر، أو قريب، أو شخص تقاسمت معه تفاصيل حياتك اليومية وأسرارك.
نحن لا نُجرح من الغرباء لأننا لا نتوقع منهم الوفاء، ولأن جدراننا النفسية تكون مرتفعة أمامهم.
أما الأقرباء، فنحن نهدم أمامهم كل الأسوار، ونمنحهم مفاتيح قلوبنا وبيوتنا وأماننا.
وعندما تأتي الطعنة من هذه اليد التي طالما صافحتها وسندتها في عثراتها، ينقلب الكون في عين المجروح.
يتحول الأمان المعهود إلى خوف، ويصبح نكرانهم للمعروف زلزالاً يهدم كل الذكريات الجميلة، ويترك النفس تتساءل في دهشة ومرارة: كيف هان عليهم كل ذلك؟
مما يولد شعوراً مريراً بالخذلان يفوق أي ألم جسدي ..!
والجحود قد تتعدد أشكاله، وهى تبدأ بأن ننكر أقدار الناس، وتنتهى عند تغير طبائع الأشياء، فلا يبدو الجمال جمالا، وقد يصبح القبح بديلا ، وأصعب الأشياء الشعور بجحود المقربين ، إنه أعمق الجراح، لأن الإنسان يملك قلبا واحدا ، والإنسان أحيانا يقاوم الجحود من الغرباء ، ولكن من الصعب أن يتسامح فى جرح أو إهانة ، لأن للمقربين قدسية تتجاوز كل الظروف والأماكن ، وقد يكون النسيان طريقا للنجاة، ولكن النسيان لا يجدى مع جرح الكرامة.
عزيزى القارىء لا تحزن إذا وجدت نفسك تقف وحيدا أمام وجوه بلا ملامح، وقلوب لا تعرف الرحمة، وكبار خذلوا أبناءهم .. ولأنك كبير فى نظرك فلا تهتم بالصغائر، لأن الأشجار العريقة ترفض وصاية الآخرين.
أنت تعيش حياتك مرة واحدة، فلا تفرط فى كرامتها، ولا تنظر فى عيون فقدت الرحمة، وأدمنت القبح، وخاصمها الجمال .
كن نفسك ولن تندم .. !! ولا تسمح لظلمة الجاحدين أن تطفئ نور العطاء في قلبك ، فالخير يظل جميلاً بذاته، ومن نكر معروفك فقد خسر نبل وجودك، بينما احتفظت أنت بنقاء سريرتك وكرامة مواقفك