مساحة إعلانية
في زمن اختلطت فيه الأدوار، خرج علينا وزير التموين بتغريدة تهنئة لمنتخب الأرجنتين، وكأننا أمام مشجع متحمس لا مسؤول يفترض أنه يحمل هموم شعب بأكمله. مشهد عبثي يلخص أزمة فهم حقيقية لمعنى المنصب… ومعنى الوطن.
لا أحد يلوم مشجعًا يفرح بفوز فريق يحبه، ولا أحد يصادر على الأذواق الكروية، لكن حين يتحول وزير في حكومة إلى "مشجع رسمي" لفريق أجنبي، فهنا لا نتحدث عن ذوق… بل عن خلل.
وزير التموين، المسؤول عن قوت الناس، عن السكر والزيت والأرز، قرر فجأة أن يترك كل ذلك جانبًا، ويكتب تغريدة تهنئة لفريق الأرجنتين! وكأن المواطن الذي يلهث خلف الأسعار كان ينتظر هذه اللحظة التاريخية: "معالي الوزير بيبارك لمين النهارده؟"
أي انفصال هذا عن الواقع؟
أي خفة في تقدير المشهد؟
وأي رسالة تُرسل لشعب بالكاد يتحمل أعباء الحياة؟
المسؤول الحقيقي لا يتحدث من منطلق "أنا أحب"، بل من موقع "أنا أمثل". يمثل دولة، شعبًا، مشاعر عامة، خصوصًا في لحظات يكون فيها الانتماء أمرًا حساسًا لا يحتمل هذا الاستعراض البارد.
لكن يبدو أن البعض لم يستوعب بعد أن الكرسي ليس منصة للتعبير الشخصي، بل مسؤولية ثقيلة. وأن "تغريدة" قد تكشف ما لا تقوله الخطب الرنانة عن فهم صاحبها لدوره.
الغريب أن الوزير لم يجد حرجًا في إعلان هذا الانحياز، بينما يعجز كثير من المواطنين عن إعلان أبسط حقوقهم دون حساب. مفارقة موجعة… لكنها كاشفة.
المشكلة ليست في الأرجنتين… ولا في كرة القدم… المشكلة في مسؤول يتصرف كأنه خارج الصورة. وعندما يغيب الإحساس بالناس، تصبح التغريدة أهم من الطابور… ويصبح المشجع وزيرًا… ويظل المواطن هو الخاسر الوحيد.