مساحة إعلانية
تتحول السجادة الحمراء في المحافل الفنية الكبرى عادةً إلى منصة للاحتفاء بالإبداع وتكريم صناع السينما الحاملين لهموم مجتمعاتهم وقضاياها. غير أن ما يشهده مهرجان الجونة السينمائي بات يطرح تساؤلات مشروعة ومؤلمة حول مصداقية هذه الفعاليات؛ إذ أُفرغت من محتواها الثقافي ورسالتها السامية، لتغدو مجرد استعراض فجاج للأزياء، ومنابر تُهدر فيها الأولويات لحساب الشهرة السطحية، في مشهد يعكس حالة غير مسبوقة من التيه الفني والأخلاقي.
لم يعد خافياً انحراف المهرجان عن أهدافه التأسيسية؛ فبدلاً من أن يشكل منارة للفن السابع ونافذة تطل منها السينما العربية والعالمية على أحدث التجارب الجادة، يُدار الحدث بمنطق "الصخب الإعلامي" والترند العابر. تتصدر لقطات الأزياء والجدل المصطنع واجهة التغطيات، بينما تتوارى الأفلام الرصينة وصناع الفن الحقيقيون في الظل، وكأنهم ضيوف شرف في محفل أُقيم أصلاً لأجلهم.
ولا تكمن الخطورة في غياب المضمون فحسب، بل في الإصرار على تقديم صورة ذهنية مُستفزة تنفصم عن الواقع العربي. فبينما ترزح المنطقة تحت أزمات مصيرية وقضايا كبرى، تنعزل النخبة الحاضرة في فقاعة من البهرجة الفارغة والترف المستفز، وكأن الفن خُلق ليكون جزيرة معزولة عن آلام المجتمع.
لقد بات هذا المشهد عبئاً على الثقافة العربية؛ مهرجان يُنفق ملايين الجنيهات لا لارتقاء الذوق العام أو دعم المواهب المهمشة، بل لترسيخ ثقافة الاستهلاك والمظهرية الجوفاء. إن استمرار هذا العبث يعجل بوفاة رسالة السينما، ويحول الفن إلى سلعة استعراضية رخيصة تخدم مصالح ضيقة على حساب الوعي الجمعي.
لقد حان أوان وقفة جادة ومراجعة شاملة لبوصلة هذه الفعاليات؛ فإما أن يعود المهرجان إلى جادة الصواب ليحترم عقل المشاهد وكرامة الإبداع، وإما أن تظل هذه المنصات مجرد فقاعات صابون تذوب سريعاً، ولا تترك خلفها سوى الفراغ وخيبة الأمل.