مساحة إعلانية
في البدء كان هو، ومعه نبتت في الذاكرة أولى خلايا الأمان، إنه الأب؛ الصخرة التي تتكسر عليها أمواج العالم العاتية، والبطل الحقيقي الذي لم يحمل سيفاً، بل حمل طفولتنا على كتفيه ليرينا أفقاً أجمل ، إن وفاء الابنة لأبيها ليس فريضة تؤدى، بل هو ترتيلة عشق أبدي، واعتراف صامت بأن هذا الرجل كان وسيظل الحب الأول الذي سكن قلبها قبل أن تدرك ماهية الهوى، والنور الذي استضاءت به روحها فاستعصت على الانطفاء، فكل حب يجيء بعده ليس إلا صدى خافتاً لصوته، وكل أمان يُطلب من سواه هو محض وهم
هذا الرباط الإلهي المقدس تجسد في أبهى صوره الإنسانية في الشارع الدمياطي من خلال الدكتورة آية علي العساس آيه علي العساس ، المدرس بكلية الصيدلة بجامعة حورس، عندما فتحت كاميرا هاتفها لتبث حلقاتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي دعماً لوالدها اللواء علي العساس؛ فلم تكن تقدم برنامجاً انتخابياً تقليدياً جافاً مليئاً بالوعود السياسية، بل كانت تقدم شهادة حب حية جردت المشهد من جموده وأعادت تعريفه بروح عائلية دافئة.
وجاءت جملتها الافتتاحية العفوية: «أنا آية علي العساس.. ابنة اللواء علي العساس، جاية اليوم أكلمكم عن بابا»، لتخاطب القلوب بالوفاء قبل العقول بالسياسة، حيث تحدثت عن الأب، والتربية، والجذور الطيبة، مسترجعةً ذكريات ومواقف تبرز نبل معدنه وبره بعائلته
هذه العفوية الصادقة والبعيدة عن التكلف قلبت الموازين في الشارع الدمياطي المعروف بوعيه الشديد وترابطه الاجتماعي، واستقبل الأهالي هذه المبادرة بحفاوة بالغة وتفاعل استثنائي فاق التوقعات، حيث تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات للدعم والتعاطف والالتفاف حول هذه الابنة البارة، ورأى فيها أبناء دمياط نموذجاً مشرفاً للمرأة التي تقف كالسند الحقيقي لوالدها في أدق لحظات حياته. ولم يقف التفاعل عند حدود المؤيدين، بل امتد لقطاع واسع من المواطنين الذين عبروا عن إعجابهم الشديد بأخلاقها التي تعكس بالتأكيد تربية والدها لها، مما دفع المئات من أبناء الدائرة إلى كتابة شهاداتهم تلقائياً في حق اللواء علي العساس، واصفين إياه بالرجل المتواجد دائماً معهم،
ومؤكدين أن هذا الحب الجارف من ابنته هو خير دليل على نقاء أصله، لتثبت هذه التجربة الفريدة أن الوفاء الصادق قادر على تحريك مشاعر الجماهير وتحويل الموقف إلى ملحمة إنسانية تدرس في قيم البر ورد الجميل
ورغم مرور الأيام والسنوات، وتغير ملامح الدكتورة آية، وتغيرت تفاصيل حياتها واهتماماتها ومسؤولياتها الأكاديمية والعملية، لكن ثمة حاجة واحدة عمرها ما تغيرت، واكتشفناها جميعاً من تفاصيل حكايتها؛ إنها لسه بتبص لوالدها بنفس العين، وتشعر معاه بنفس الأمان، وتفرح من قلبها لما يفتخر بيها بأي حاجة بتعملها، حتى لو كان فيديو بسيط بتتكلم عنه فيه.
وكأنها في حضرته تنسلخ من ألقابها العلمية والمهنية، لتعود طفلة صغيرة وليست دكتورة جامعية، طفلة كل أمنيتها في الحياة وتطلعاتها تنتظر منه ابتسامة رضا أو كلمة حلوة تطبطب على قلبها وتغنيها عن العالم بأسره
ودائماً ما تتوج الدكتورة آية هذا الرباط بجملة دافئة تكررها كدستور لقلبها حين تقول: «دي حكاية عمر وسنين وذكريات وحب، كل ما بنكبر بنكتشف إننا لسه ما عرفناش حجمه الحقيقي».
وتختزل هذه الكلمات العميقة فلسفة الوفاء؛ فالأب ليس بطلاً لمرحلة الطفولة فحسب، بل هو النهر الذي يتدفق حناناً وأماناً كلما تقدمت بنا السنين، وتكبر الابنة وتتسع مداركها لتدرك مع كل خطوة وتحدٍ أن ذراع والدها كانت دائماً أطول من مخاوفها، وأن حبه حصن منيع ممتد يتجاوز حدود الزمن.
ثم تتبعها بفيض من الفخر الممزوج باليقين قائلة: «بابا دايما هو البطل اللي مفيش حد في الدنيا يقدر يغلبه، وجوده أمان وصوته طمأنينة ورضاه عننا بالدنيا كلها»، وتختزل تلك المشاعر كلها في مناجاتها العذبة لوالدها حين تقول بصدق يزلزل الروح: «إحنا كبرنا يا بابا… بس والله ما كبرنا على حبك، ولا على احتياجنا ليك، ولا على فرحتنا وإحنا شايفينك فخور بينا».
وفي هذه العبارة تجسيد حي لتلك الهالة النورانية التي تحيط بالأب في عين ابنته، فهو ليس مجرد والد، بل هو البطل الأسطوري الذي لا يقهر، والدرع الحامي ضد غدر الأيام وتقلبات الزمان، ليصبح صوته في أرجاء البيت بمثابة ترتيلة السلام التي تبدد الخوف, وحضوره هو الأمان المطلق الذي يمنح الروح السكينة، ليبقى رضاه هو الغاية الأسمى والجائزة الكبرى التي تهون أمامها مشاق الحياة، وتستمد منه الابنة قوتها لتواجه العالم بثبات، متسلحة بدعواته ومستندة على جبل حنانه الذي لا يميل