مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

الإسلام والأديان الأخرى: وحدة الرسالات وكمال الهداية في ضوء القرآن

2026-10-24 11:02 AM  - 
الإسلام والأديان الأخرى: وحدة الرسالات وكمال الهداية في ضوء القرآن
مصطفي عبد الملك

مصطفى عبدالملك الصميدي| اليمن

تحتل العلاقة بين الإسلام والأديان الأخرى مكانة بارزة في الفكر الديني والفلسفي لما تنطوي عليه من أسئلة عميقة حول حقيقة الوحي ومصدر الهداية وغاية الوجود الإنساني. وينطلق التصور الإسلامي من الإيمان بوحدة الله ووحدة المصدر الإلهي للرسالات السماوية وخاتمية رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بوصفها الهداية الإلهية الشاملة للبشرية. ويقدم الإسلام رؤية متكاملة تجمع بين العقيدة والأخلاق، وبين العقل والروح وبين عمارة الأرض والاستعداد للآخرة، مما يمنحه مكانة مركزية في فهم علاقة الإنسان بالخالق والكون والحياة. ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية دراسة العلاقة بين الإسلام واليهودية والمسيحية واستكشاف أوجه الاتفاق والاختلاف بينها في ضوء الرؤية القرآنية التي تؤكد وحدة أصل الرسالات وتقرر اكتمال الهداية ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. ومن خلال قراءتي لفكر المفكر والفيلسوف علي عزت بيجوفيتش، ولاسيما رؤيته التي عرضها في كتابه "الإسلام بين الشرق والغرب"، أجد أن تأمل العلاقة بين الدين والإنسان والحضارة تتيح مدخلاً لفهم خصوصية التصور الإسلامي وما ينطوي عليه من تفاعل بين العقيدة والأخلاق والروح والمادة ومتطلبات الحياة وغاياتها الإنسانية.

يؤسس الإسلام رؤيته لوحدة الرسالات السماوية على الإيمان بأن الله أرسل الأنبياء لهداية البشرية إلى التوحيد وترسيخ قيم العدل والرحمة والصلاح والتقوى. ويؤمن المسلمون بنبوة إبراهيم وسائر الأنبياء عليهم السلام، ويرون في رسالاتهم حلقات متصلة في تاريخ الهداية الإلهية، تتكامل في أصولها وتتباين في بعض شرائعها وأحكامها وفق حكمة الله. وقد جاء القرآن الكريم مصدقاً لما سبقه من الكتب السماوية ومهيمناً عليها ليكون المرجع الحاكم في فهم الوحي والعقيدة والهداية. ويعبر القرآن عن هذه الحقيقة بقوله تعالى: "إِن الدين عند الله الإسلام" (آل عمران: ١٩)، وقوله سبحانه: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا." (المائدة: ٣). ويعكس هذا التصور اعتقاد المسلمين بأن الإسلام يمثل الامتداد الخاتم للرسالات السماوية ويحمل للبشرية منهجاً شاملاً ينظم علاقة الإنسان بربه ويهذب سلوكه ويوجه حياته نحو الحق والخير.

يتناول موضوع الإسلام واليهودية والمسيحية بين المشتركات العقدية والاختلافات الجوهرية عدداً من الأصول الأخلاقية والروحية التي تلتقي فيها الأديان السماوية، من أبرزها الإيمان بالله وتعظيم شأن الأنبياء والحث على الصدق والرحمة والعدل والإحسان. ويؤكد الإسلام الإيمان بالرسل والرسالات السماوية ويجعل الإيمان بالأنبياء والرسل ركناً من أركان العقيدة الإسلامية. وفي مقابل هذه المشتركات، تظهر اختلافات عقدية جوهرية بين الأديان تتعلق بطبيعة الإيمان بالله ومفهوم الوحي ومصادر العقيدة والتشريع. ويؤكد التصور الإسلامي التوحيد الخالص وإفراد الله بالعبادة وخاتمية الرسالة المحمدية، وهي عناصر أساسية في فهم خصوصية الإسلام وموقفه من المعتقدات الدينية الأخرى. ويستند المسلم في اعتقاده بصحة الإسلام إلى القرآن الكريم بوصفه وحي الله الخاتم وإلى ما يتضمنه من عقيدة وتشريع ومنظومة أخلاقية متكاملة. ومع وضوح هذه الخصوصية العقدية، يؤكد الإسلام العدل في التعامل مع المخالفين، كما جاء في قوله تعالى: "اعدلوا هو أقرب للتقوى." (المائدة: ٨). وهكذا يجمع المنظور الإسلامي بين الثبات على العقيدة واحترام كرامة الإنسان وإقامة العلاقات الإنسانية على العدل والحكمة وحسن المعاملة. وتتيح قراءة فكر علي عزت بيجوفيتش التأمل في دور الدين في تشكيل رؤية الإنسان للحياة، وفي الصلة بين الاعتقاد والمسؤولية الأخلاقية.

يتناول موضوع الإسلام بين العقل والروح والحضارة في فكر الفيلسوف البوسني علي عزت بيجوفيتش خصوصية الرؤية الإسلامية في تصورها المتوازن للإنسان باعتباره كائناً يجمع بين الجسد والعقل والروح ويحتاج إلى إشباع حاجاته المادية والارتقاء بقيمه الأخلاقية في آن واحد. وقد ناقش بيجوفيتش في كتابه "الإسلام بين الشرق والغرب" العلاقة بين الدين والحضارة والمادة والروح والعلم والإيمان، مقدماً تأملات فلسفية في طبيعة الإنسان وغايات الحياة. وتتيح أفكاره مدخلاً فلسفياً لفهم الإسلام باعتباره منهجاً يربط المعرفة بالمسؤولية والتقدم بالأخلاق والحرية بالواجب. فالعلم يفتح أمام الإنسان آفاقاً واسعة لفهم الكون وتسخير موارده، بينما تمنح القيم الدينية والأخلاقية هذا التقدم غايته الإنسانية واتجاهه الحضاري. ويحث الإسلام على التفكر والتدبر وطلب العلم والعمل الصالح ويجعل عمارة الأرض مسؤولية أخلاقية تتصل بغاية الإنسان في الحياة. ومن هذا المنظور، يقدم الإسلام تصوراً شاملاً للحضارة يوازن بين متطلبات الحياة الدنيا ومقاصد الآخرة ويجعل كرامة الإنسان والعدل والإحسان ركائز أساسية لبناء المجتمع. وتبرز أهمية فكر بيجوفيتش في إضاءة العلاقة بين الروح والمادة والتأكيد على أن التقدم الحضاري لا تكتمل قيمته بالإنجاز المادي وحده وإنما يحتاج أيضا إلى مرجعية أخلاقية توجهه نحو خدمة الإنسان وصيانة كرامته.

ختاماً، يتضح من هذه القراءة أن الإسلام يحتل في العقيدة الإسلامية مكانة الرسالة الخاتمة التي صدقت أصل الوحي الإلهي وأكملت مسيرة الهداية ببعثة النبي محمد عليه صلوات ربي وسلامه عليه. ويجمع التصور الإسلامي بين الإيمان بوحدة مصدر الرسالات السماوية، والاعتقاد بتميز الإسلام في عقيدته وتشريعاته ومكانته الخاتمة. كما يقدم رؤية متكاملة للإنسان والحضارة تربط الإيمان بالعقل والمعرفة بالأخلاق والنجاح المادي بالمسؤولية الروحية والإنسانية. وتزداد أهمية هذه الرؤية في عالم تتسارع فيه التحولات العلمية والتقنية وتتعاظم فيه الحاجة إلى منظومة قيمية توجه المعرفة وتحفظ كرامة الإنسان. ومن هنا، تقع على عاتق المسلم مسؤولية التعبير عن حقيقة دينه بالعلم والحكمة وتجسيد مبادئه في السلوك والعمل، وترسيخ العدل والرحمة في علاقاته مع الآخرين. فالإسلام، وفق الإيمان الإسلامي، رسالة هداية شاملة وخاتمة تجمع بين صفاء التوحيد وسمو الأخلاق، وتمنح الإنسان منهجاً للحياة يوازن بين مطالب الروح والجسد ويصل العمل في الدنيا بالمسؤولية أمام الله سبحانه وتعالى في الآخرة.

مساحة إعلانية