مساحة إعلانية
منذُ عشرينَ عامًا
لم يكنِ اللقاءُ
إلّا شقًّا صغيرًا
في جدارِ الزمن
تسرّبتْ منه روحُكَ
لتقيمَ فيَّ
دون استئذان
كنتَ أقربَ إلى المعنى
من اقترابِ اسمي من فمِي
وأبعدَ من أن تُدرككَ
عينٌ ترى
ولا تُبصر
مررتَ بي
فاهتزّتِ اللغةُ في داخلي
كأنَّها عثرتْ على سراجها
بعد ليلٍ طويل
يا أيُّها الذي
إذا قالَ
أقامَ للقولِ ميزانَه
وإذا صمتَ
تركَ في الصمتِ
ما يُفصحُ عن سرِّه
كنتَ
لا تكتبُ النصَّ
بل تُطهِّرُهُ من رجسِ المجاملة
وتردُّهُ إلى فطرته الأولى
حيثُ الكلمةُ
ترتعدُ حين تقف
على أعتاب الحق
وكانت ضحكتُكَ
لا تُشبهُ الضحكَ
بل تُشبهُ
نجاةً من غرقٍ طويل
لهذا أحبّكَ الناسُ:
كما تُحبُّ القلوبُ
نافذةً لا تُغلَق
وكما تُحبُّ العتمةُ
خيانةَ الضوء لها
أمّا أنا
فلي معكَ
ما لا يُقاسُ باللقاءات:
مرّةٌ واحدة
لكنّها
فتحتْ في العمر
ألف بابٍ للنجاة
كنتُ ألقاكَ
كلّما كتبتُ
فأجدُكَ هناك—بين يديّ والسطر—
ميزانًا لا يُدينُ
إلّا الزيف
يا أيُّها العابرُ
هلِ انطفأتَ؟
أم يا تُرى
نحنُ من انطفأَ
حين غابَ الذي
كان يُشعلُ فينا
جمرةَ المعنى؟
كيفَ رحلتَ
بهذه الخفّةِ
التي تُربكُ الفقد؟
كأنَّكَ ودّعتَ جسدكَ
ومضيتَ
إلى جهةٍ
أعلى من الكلام
صفحتُكَ الآن
يغمرها صفاءٌ
يشبهُ نقاءَك
كأنَّ السماءَ
تكتبُكَ من جديد
يا أيُّها الذاهبُ
على عجلٍ
لا يليقُ بخلود حرفكَ
تركتَ في اللغةِ
يُتمًا
لا يُقال
وتركتَ فينا
صوتًا مكسورًا
يحاولُ أن يُرمّمَ
اعوجاجَ المعنى
يا أيُّها الحارسُ
على أبوابِ القصيد
لم تأخذْ من عمري
سوى لحظة
لكنّكَ
منحتني
ما لا تمنحُه الأعمار
خُذْ معكَ
شيئًا من هذا الحزن
فهو أليقُ بك
واتركْ لنا بقاياكَ
درعًا نحتمي به
من هذا الخراب
الذي يتخفّى
في هيئةِ كتابة
سلامٌ عليك
كما يليقُ بظلٍّ
أرهقَ الشمسَ من صدقِهِ
وكما يليقُ باسمٍ
إذا نُطقَ
ارتبكتِ اللغةُ
واستعادتْ وقارَها القديم
سلامٌ عليك
وقد صرتَ في الغيابِ
أشدَّ حضورًا
من كلِّ ما يملأُ عالمنا من فراغ
كأنَّكَ
حين رحلتَ
أقمتَ روحكَ
حارسًا للمعنى
سلامٌ عليك
حتى ينكسرَ هذا الليلُ الطويل
على عتباتِ صوتكَ
وحتى تتعلّمَ الحروفُ
كيف تبكيكَ
دون أن تفضحَ نفسها
سلامٌ عليك
بقدرِ عجزِنا أمام الفقد
وبقدرِ ما خلّفَ غيابُكَ فينا
جرحًا لا يندمل
وألمًا
لا يُحسنُ الرحيل
سلامٌ عليكَ
إلى أن نلتقي
في لغةٍ لا تموت
ولا يغيبُ فيها
الذين يُشبهونك
سلامٌ عليك
بكلِّ حرفٍ كتبتَهُ
فصار ضوءًا
نتلمّسُ به الطريق