مساحة إعلانية
الكاتبة ليلى المليس شاعرة وكاتبة مغربية، حاصلة على الإجازة في الأدب العربي من مكناس، وعضو مؤسس لمنتدى شعراء المهجر بباريس. أبرز أعمالها: ديوان "ماء الماضي" (2012)."سنابل العشق في رسائل الحلم" (2019). ديوان "حنين بلون الرماد" الصادر عن الدار المصرية المغربية، ثم رواية "عندما يتكلم الصمت"، وهي عمل أدبي يندرج ضمن السرد الإنساني الذي يعالج قضايا الاغتراب والبحث عن الذات.
وتنطلق الرواية من كونها رواية "ذاتية" و"وجدانية" في المقام الأول، حيث تُبنى الروابط بين الشخصيات على أساس الاحتياج العاطفي والاغتراب المشترك.
تدور أحداث الرواية في إطار الغربة، حيث تستعرض حياة المغترب في عالم لا يعرفه، وما يصاحب ذلك من مشاعر التيه والبحث عن الهوية في مجتمع جديد. ويعكس العنوان ذلك في ثنائية الصمت والكلام، الذي يحيل على قدرة "الصمت" على التعبير عن مكنونات النفس التي قد تعجز الكلمات عن وصفها، خاصة في حالات الألم والحنين.
والاغتراب موضوع يعكس تجربة المهاجر (باعتبار الكاتبة تعيش في المهجر بباريس). فالغربة هنا ليست مكانية فقط، بل غربة روحية ناتجة عن الصراع بين هويتين: الهوية الأصلية (المغربية) التي تمثل الجذور، والهوية الجديدة التي تحاول الشخصية التكيف معها.
فالكاتبة تركز على التفاصيل الوجدانية العميقة، مستلهمة روحها الشاعرية التي ظهرت بوضوح في كتاباتها مثل " ماء الماضي" و" سنابل العشق في رسائل الحلم" وديوان "حنين بلون الرماد" لتصوير الاضطرابات النفسية والعاطفية.
والروائية ليلى المليس تعبر عن قضايا المرأة والذات، فالساردة تعكس صوتاً أنثوياً يبحث عن الانعتاق والتحرر. من خلال حكايا الشخصيات النسائية اللواتي رافقتهن في السفر من المغرب إلى فرنسا، فهن عندها تعانين مثلها من تهميش مزدوج (كونها امرأة وكونها مغتربة)، لكن الساردة تستمد قوتها من قدرتها على تحريك "البوح" حتى في حالات الصمت.
اعتمدت الكاتبة على أسلوب سردي سلس (اللغة الشاعرة) وبما أنها شاعرة، فقد جاءت باللغة المكثفة، والجمل القصيرة المشحونة بالصور البيانية، التي جعلت اللغة السردية تحول المواقف الواقعية إلى لوحات وجدانية. وقد دمجت مقاطع شعرية في ثنايا سردها للرواية، لتعمق في القارئ كل ما يتعلق بالذاكرة والحنين ودورهما في عملية السرد التي تعتمد على تداعي الذكريات والصور البعيدة (مثل ذكريات الطفولة أو الأهل) التي تنبثق في لحظات الصمت لتشكل نسيج القصة.
ويعتبر التداعي الحر تقنية، جعلت السرد لا يسير دائماً في خط زمني مستقيم، بل ينتقل عبر التداعيات والذكريات، إلى زمنٍ نفسيّ أكثر منه فيزيائيّ.
والرواية تطرح أسئلة فلسفية وجودية حول جدوى الهجرة، ومعنى الاستقرار، وكيف يمكن للإنسان أن يحافظ على نقائه وسط صخب الحياة الحديثة والمادية في الغرب، من خلال رحلة في "أعماق الذات" أكثر منها رصد لأحداث خارجية، حيث يصبح الصمت هو البطل الذي يروي ما لم يُقل.
2- العلاقات في بعديها النفسي والاجتماعي
علاقة الذات بالمرآة (الداخل): الساردة في الرواية تعيش علاقة "صراع وتصالح" مع ذاتها. الصمت هنا هو الوسيط النفسي؛ فهي لا تجد من يفهم تقلباتها في الغربة، فترتد عبر الانكفاء الذاتي إلى الداخل، كوسيلة دفاعية ضد الوحدة. وهو ما يقوي من الشعور بالحنين، متأرجحة بين الارتباط بالموتى أو الغائبين، تقول : " من يعمل هنا يرى الموت ويعيش الموت ويساعد الأجساد من الاقتراب من الموت بأريحية " كما تبرز علاقات قوية مع شخصيات ليست حاضرة جسدياً كالأهل في الوطن، في قولها : " فراق الوطن والأهل والأحباب ليس سهلا " وتعتبر هذه العلاقات مع الغياب ( الغائب) رباطا يمنع شخصية السارد من الانهيار في واقعها الجديد. فالشخص الغائب في الرواية يملك سلطة نفسية أكبر من الشخص الحاضر. وقد أتاح هذا الرابط حالة من الاضطراب النفسي، عند المقارنة ، تقول :" ظننت نفسي في الجنة، نحن لا نملك مثل هذه المستشفيات ولا مثل هذه المعاملة ، طيب، وفرت علي تكلف الكلام باللغة الفرنسية" . وهذا الشعور لم يخلص الساردة من عقدة الإحساس بالآخر الغريب ، فهي تتسم بالحذر والترقب. هناك رغبة في الاندماج يقابلها خوف من فقدان الهوية، مما يخلق علاقات نفسية "هشة" وسطحية مع المحيط الاجتماعي الجديد، تقول :" لماذا أنا، لماذا اختارني أنا، هل بدوت له عاهرة، هل بدوت من اللواتي يبعن أجسادهن، شكرا باريس استقبلتني كما يجب، أتعلمين عندما رأيت نفسي في المرآة هذا الصباح تساءلت ،لو قابلت نفس الشخص تراه سيعرض علي نفس العرض، أم سيهرب "
أ-عزلة المغترب اجتماعياً
إن الرواية تعكس الفجوة الاجتماعية بين المهاجر والمجتمع المضيف. فالعلاقات الاجتماعية في الرواية غالباً ما تكون مبتورة أو مؤقتة، مما يعزز فكرة أن "الصمت" هو الصديق الأوفى للشخصية، ويبقى الترابط مع الأصل عضويا حين تتذكر العائلة، والجيران في الوطن كنموذج مثالي مفقود. فالكاتبة تقارن بين العلاقات الاجتماعية "الدافئة" في الشرق، والعلاقات "الباردة" والميكانيكية في الغرب.
وتبقى صورة الرجل في الوجدان مزيجا من الأمل والانكسار. فالمرأة في المهجر في بحث مستمر عن السند لصد عالم الغرب الموحش، لكنها غالبا ما تصطدم بواقع المسافات أو سوء الفهم، تقول :" لكن المرأة ليست جسدا فقط، لو كان الرجل يعلم ذلك لحُلت الكثير من المشاكل" وقولها:" وقفت نعيمة على بعد أمتار من بيتها، أو على الأصح البيت الذي كانت تسكن فيه، النوافذ مغلقة، اقتربت من المدخل بخطى مترددة، صعدت الى الطبق حيث كانت تسكن وجدت نفسها تدق باب جارتها دون وعي منها، فُتح الباب" ، وفي قول فاطمة عن نكران أبيها لها، تقول:"
انتبهت فاطمة إلى لهجة عبد الاله الصارمة فأجابت :
- قال إن البيت بيته وعلي اللجوء إلى المحكمة لإثبات..
لم تكد فاطمة تنهي كلامها حتى قاطعها عبد الاله
- رجل وقح
لا تذكره بسوء، إنه أبي كيفما كان الحال، عملت ليل نهار لأحصل على
المال وأبني لي مأوى في وطني فغدر بي من كنت أثق به
نطقت عائشة بعد أن استوعبت مسار الحديث.
- أبوك نكر حقك في البيت؟ إننا حقا في آخر الزمان
ولو شئنا أن نستقصي قصص شخوص الرواية لوجدنا أن كل من ارتبطت بهم نعيمة سواء في السفر أو عند الوصول، لعثرنا على أن العلاقات الاجتماعية، تنبني على مواقف متضاربة حينا ومتآزرة أخرى، تعكسان تأثير الهجرة على المهاجر في صراعه مع المكان والثقافة والإنسان، ويكون الصمت فيها جسرا للتواصل الاجتماعي، ووسيلة وحيدة ممكنة عندما تعجز اللغة عن ردم الهوة الثقافية.
ويبقى التضامن الإنساني، لحظة عابرة من التضامن بين "الغرباء"، حيث يشعر الأفراد بنوع من الانتماء لطبقة "المهمشين" أو "المغتربين"، وهي علاقة اجتماعية تقوم على وحدة المصير، وقد كان السفر مناسبة لذلك، تقول الساردة:" نضج الأكل وسكت الصفير، أخرجت فاطمة صحنا دائريا معدنيا، أفرغت محتوى الطنجرة، وضعت الصحن وسط الحصير. حينها استيقظ عبد الاله وبدأ يأكل، أما الآخرون فلم يتسرعوا رغم رغبتهم الشديدة في الأكل، الى أن صاحت فاطمة
- باسم الله –" نشركو الطعام"
تعالوا تعالوا
حلق الجميع حول الصحن الدائري، فساد الصمت".
ب - بين "الأنا" و"الآخر" فيتمثل في تعامل نعيمة مع شخوص الطبيبة المغربية وأحمد الطبيب الجزائري وكرستينة والرجل العجوز :" كان هناك رجل عجوز يقال أنه أب لأحد الأطباء هنا ، وأنه فيلسوف كلما دخلت غرفته وجدته غارقا في كتاب ضخم، يرد عليها التحية مبتسما ويغرق بلحيته البيضاء الطويلة في أفكاره كأنه يركض وراء فكرة العمر المستعصية.
تمنت نعيمة كثيرا لو جادلته قليلا ولكن كيف ذلك؟ وهي لا تتقن حتى اللغة العربية التي أفنت شبابها في دراستها، كأن اللغة هي اللعنة التي تقف في وجه المغتربين كلما أرادوا أن يخطو ا خطوة نحو المستقبل".
إن الرواية غنية بمشيرات لسانية غنية، يمكن للرؤية السيميائية أن تكشف عن كثير من دلالاتها
في سيمياء النص
في عنوان " عندما يتكلم الصمت " دلالة (الصمت كفعل كلام) وهو يحمل "مفارقة"؛ فالصمت لغة بديلة حين تعجز الكلمات عن وصف ألم الاغتراب. في الرواية، الصمت ليس سلبياً، بل هو مساحة للتأمل، والمراجعة الذاتية، ومخاطبة "الآخر" الغائب أو الوطن البعيد.
كما يمثل "مفارقة دلالية" تجمع بين متناقضين:
- الصمت: سيميائياً، هو "غياب العلامة اللسانية"، لكنه في الرواية يتحول إلى "علامة إشارية" غنية.
- يتكلم: إسناد فعل الكلام للصمت يمنحه صفة "الذات الفاعلة".
والعنوان هو "بؤرة النص". فالصمت هنا ليس عدماً، بل هو "علامة ممتلئة". عندما يسند الفعل (يتكلم) إلى (الصمت)، فإنه ينزاح من خانة "السكون" إلى خانة "الدينامية". هذا يعني سيميائياً أن الرواية هي "ترجمة" لما عجزت اللغة الواصفة عن قوله.
- فضاء الغربة (باريس/المهجر): يمثل "البرودة، الضجيج، والوحدة". هو فضاء الطرد والحرمان العاطفي.
- فضاء الذاكرة (الوطن/المغرب): يمثل "الدفء، الرائحة، والامتلاء". هو فضاء الاستعادة والاتصال.
* سيمياء فضاء الزمن ( الاسترجاع - الثكثيف )
-الزمن الاسترجاعي: طغيان الماضي على الحاضر سيميائياً يعني عدم الرضا عن الراهن.
-التكثيف: تحويل اللحظات العادية إلى "لحظات سيميائية" فارقة تعبر عن أزمنة وجودية.
* سيمياء الشخصيات (العوامل السيميائية) تتحول الشخصيات إلى "رموز" أكثر من كونها كائنات واقعية:
- الساردة: تمثل "الذات المغتربة" التي تبحث عن مركزها.
- الآخر (المجتمع الجديد): يمثل "المرآة" التي تكتشف من خلالها الذات هويتها واختلافها.
- الصمت: يعمل "كشخصية وسيطة" تلجأ إليها البطلة حين تعجز اللغة عن ردم الفجوة بين عالمين.
تظهر الشخصيات في أعمال المليس ككائنات مأخوذة بالذكريات، وغالباً ما تعكس صراعاً داخلياً بين واقع الغربة المرير والماضي الذي يسكنها، وهو ما يظهر في كتابات الأديبة ليلى.
شخصية نعيمة الأساسة
بما أن نعيمة هي الشخصية الأساس، فإن الرواية تتحول من مجرد سرد اجتماعي إلى "دراسة حالة" لامرأة تحاول التنفس تحت ركام التقاليد :
كل الشخصيات الأخرى تُعرف من خلال علاقتها بنعيمة؛ عبد الإله هو مرآتها الفكرية، عائشة ورشيدة هما قيدها الاجتماعي، والحاجة هي سلطة الماضي التي تراقبها. نعيمة هي الخيط الذي يربط بين هؤلاء جميعاً، ومعاناتها هي التي تحرك الأحداث وتمنح الصمت معناه.
2- نعيمة المثقفة في بيئة منغلقة
تمثل نعيمة نموذج "المثقفة المعزولة". صراعها الأساسي ليس مع أشخاص، بل مع منظومة فكرية. اختيارها للكتب ليس هروباً سلبياً، بل هو محاولة لبناء "وطن بديل" داخل عقلها. هذا يجعل القارئ يرى العالم من خلال عينيها، ويشعر بضيق المكان واتساع الرؤية لديها.
3- الصمت كـهوية لنعيمة
بصفتها الشخصية الأساس، فإن صمت نعيمة هو "فعل البطولة". في روايات أخرى، قد تعبر البطلة عن نفسها بالصراخ أو التمرد الصاخب، لكن نعيمة عند ليلى المليس تختار الصمت سلاحاً. هذا الصمت هو الذي يجبر الشخصيات (والقارئ) على التساؤل عما تفكر فيه، مما يجعل حضورها طاغياً حتى وهي لا تتكلم.
4- التناقض بين المظهر والجوهر
بصفتها شخصية أساسة، تعيش نعيمة ازدواجية مؤلمة:
- في الظاهر: هي المرأة المطيعة التي تلتزم بحدود البيت (تحت أنظار الحاجة وعائشة).
- في الباطن: هي الأنثى المتمردة التي تحاور فكرياً وتطمح لحرية تشبه حرية "إليف" أو "كرستينة".
5-مركزية التحول
تطور الرواية هو في الواقع تطور وعي نعيمة. من الرغبة في الفهم، إلى الصدام، ثم إلى القبول الواعي أو الاغتراب. هي الشخصية الوحيدة التي تمر برحلة نفسية كاملة، بينما تظل الشخصيات الأخرى (مثل عائشة أو أحمد) ثابتة في مواقفها.
نعيمة ليست مجرد فرد في أسرة، بل هي رمز للمرأة التي تقرر أن تتكلم بصمتها عندما يصبح الكلام المباشر غير مجدٍ. هي الضحية والمقاومة في آن واحد، ومن خلالها طرحت ليلى المليس تساؤلاتها الكبرى حول الحرية والكرامة.
1.الذات الفاعلة: الشخصية المغتربة.
2.الموضوع : البحث عن الاستقرار النفسي أو الهوية الضائعة.
3.المرسل: الحنين، الذاكرة، الألم الإنساني.
4.المستفيد: الذات التي تحاول التصالح مع واقعها.
5.المساعد: "الصمت" كأداة للتأمل، والشعر كأداة للبوح.
6.المعيق: الغربة، برودة المشاعر في المجتمع المادي، والفقد.
1- الداخل ( الغرفة/ا لذات ): يمثل فضاء الاعتصار والبوح الصامت. هو مكان "التمركز حول الذات".
2-الخارج (باريس/الشارع): يمثل فضاء "التيه" و"الاغتراب". هو مكان غريب، بارد دلالياً، حيث الشخصية فيه "مجرد رقم" .
3-الوطن (الفضاء الغائب/ الحاضر): هو فضاء "العلامة الأم"، التي تظهر عبر الروائح والذكريات لتعيد التوازن النفسي للبطلة.
الشيء _____ نقيض الشيْ
نفي النقيض _____ نفي الشيْ
-الكلام × الصمت.
-الحضور (في الغربة) × الغياب (عن الوطن)
-الانكسار × المحاولة
- العين (الرؤية): تعمل كعدسة ترصد التفاصيل الدقيقة التي تثير الحنين.
- الأذن (السمع): هناك تركيز على "إيقاع الصمت"؛ أي سماع الأصوات الداخلية (المونولوج).
- الرائحة: الرائحة في الرواية علامة سيميائية قوية (رائحة الأهل، تراب الوطن)
وهي وسيلة "اتصال عابرة للحدود" تتجاوز المسافات الجغرافية
- الامتلاء (الماضي) مقابل الفراغ (الحاضر).
- الدفء الوجداني مقابل الصقيع المكاني.
- اللغة الواصفة (الكلام) مقابل اللغة الجوهرية (الصمت).
فالرواية هي نظام علامي يهدف إلى "أنسنة الصمت". والرسالة السيميائية الكلية هي أن الإنسان عندما يفقد القدرة على التواصل مع محيطه الخارجي (بسبب الغربة)، يخلق "لغة بديلة" داخلية يكون الصمت فيها هو المتحدث الرسمي باسم الروح.
إن الشخصيات في الرواية هي "جزر منعزلة" تحاول التواصل عبر بحر من الصمت. حيث العلاقة النفسية تطغى على العلاقة الاجتماعية؛ فالشخصية تعيش في عوالمها الداخلية أكثر مما تعيش في واقعها الخارجي.
واستناداً إلى أجواء الرواية ولغة الكاتبة ليلى المليس، نجد حوارات تعكس طبيعة العلاقات النفسية والاجتماعية المتوترة والهشة.
