مساحة إعلانية
تقرير /صابر سكر
في واحدة من المقابلات الثرية التي كشفت عمق الرؤية القانونية والإنسانية، قدّم الفقيه الراحل رجائي عطية تصورًا متكاملًا عن مهنة المحاماة، مؤكدًا أنها ليست مجرد عمل إجرائي، بل رسالة أخلاقية ترتكز على الضمير والوعي بطبيعة النفس البشرية.
وأوضح عطية أن المحاماة تمثل “قمة الضمير في سموه”، إذ تنطلق من فهم أن الحق والصواب مفهومان نسبيان في الإطار البشري، باستثناء الحق الإلهي المطلق. ومن هذا المنطلق، شدد على أن كل إنسان—مهما بلغ خطؤه—يستحق فرصة عرض وجهة نظره والدفاع عن نفسه، باعتبار ذلك ركيزة أساسية لتحقيق العدالة.
وأشار إلى أن الإدانة، حتى وإن ثبتت، لا تعني تساوي جميع الجناة في درجة المسؤولية، مؤكدًا أن لكل واقعة ظروفها وملابساتها التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار عند التقييم والحكم. فميزان العدالة لا يقتصر على توصيف الجريمة، بل يمتد إلى فهم السياق الإنساني المحيط بها.
وبيّن أن المحاماة تلعب دورًا محوريًا في مساعدة العدالة—المجسدة في رمزها الشهير “المعصوبة العينين”—على استكشاف الحقيقة والوصول إلى الحكم السليم. فالمحامي، وفق رؤيته، شريك في تحقيق العدالة وليس مجرد ممثل لطرف في نزاع.
كما حذر من خطورة الأحكام المسبقة، مؤكدًا أن القضايا لا تُقبل أو تُرفض بناءً على عناوينها أو طبيعة الاتهامات، بل على أساس موضوعها وأدلتها. فقد يبدو المتهم في ظاهر الأمر مدانًا، بينما تكشف الوقائع براءته، وهو ما يجعل دور المحامي حاسمًا في حماية المجتمع من ظلم قد يلحق بالأبرياء.
وفي جانب آخر، لفت عطية إلى أن الحديث عن الضمير لا ينبغي أن يقتصر على القضايا الجنائية فقط، بل يمتد—بل ويزداد تعقيدًا—في القضايا المدنية، حيث تتشابك المصالح وتتداخل الحقوق بصورة قد تكون أكثر دقة وأهمية.
تعكس هذه الرؤية إرثًا فكريًا وقانونيًا يرسخ مكانة المحاماة كأحد أعمدة العدالة، ويؤكد أن الدفاع عن الإنسان—بغض النظر عن موقعه من الاتهام—هو في جوهره دفاع عن المجتمع بأسره.