مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

بورتريه لطائر ملكي .. للأديب الكبير د. محمد إبراهيم طه

2026-04-18 04:03 AM  - 
بورتريه لطائر ملكي .. للأديب الكبير د. محمد إبراهيم طه
الروائي الدكتور محمد إبراهيم طه

(1)
لا أحد سواه يقدِّر ما يعنيه البورتريه، هو الأنثى التي يصبو إليها، وأمه التي لم يشبع منها، المنطقة الواقعة بين الأنوثة والأمومة التي يحبها ويعيش فيها، ويرتاح إليها، ولا يرى فيما عداها شيئا، المنطقة التي يهيم فيها قلبه، والمقام الذي تشجيه كل الألحان التي عزفت منه، هو طائره الملكي الذي أودعه سره، ووضع فيه حيرته وآماله ومشاعره وانكساراته، هو اليتم المبكر، والهروب من أخوة لأب يكبره أصغرهم بستين سنة، وأقارب تقول عيونهم ما لا تقوله ألسنتهم، فيوغل في العزلة، ويتخلص طوعا من كل ما يربطه بأهل وأقارب وجماعة كل ما فيها مزيف، ويبحث في عزلته عما يستحق أن يحبه، فتاة من دون خبرة، تدخل الحياة بأنوثة مكتملة، لم تكن معضلته كفنان حبس الأنوثة المكتملة في مجسم من رخام، بل في احتفاظ الرخام بهالة البراءة والشفافية والعذرية، وتطويع المادة الصلبة لتجسد المشاعر المتماوجة، وتستوعب الآمال والأحلام، فتتحرك داخله كروح، لتفوح منه السيرة والتاريخ، وكيف تشي صلابة الرخام بتفاصيل صغيرة كغياب مبكر للأم، أو حالة وحدة مع أب كبير، وصداقات معدودة، وعدم الخبرة في الحياة، حتى يطرح الطائر الملكي في النهاية سؤاله الأهم على من يراه: كيف لتلك الأنوثة المكتملة أن تُسلَّمْ هكذا على بياضٍ لرجلٍ، بلا أي ضمان لسعادة في المستقبل؟
(2)
 كان يحملق فيه، فيتراءى له أنه يتحرر من جسده الرخامي، ويتجول في الحديقة بجسد أبيض نظيف، وحواجب مرسومة، وشعر أسود فاحم، وعنق طويل شامخ، وصدر متكور ومشرئب ليس بحاجة إلى مشد، يختال على حافة المسبح، يدرك أنه تمثال رخام أبيض، ثابت لا يغادر مكانه على حافة المسبح، لكنه يوقن أنه سيتحرك ما إن ينفخ فيه من روحه، ويتفاعل مع ما يكتبه فيه من قصائد، وما ينشئه من ألحان، وستدب الحياة في الكون، وتعم الخضرة، وتتفتح زهور وتورق أشجار، وتزقزق طيور وهما في عزلتهما واقفين في منطقة وسطى بين الحقيقة والخيال، لا يلقيان بالا لنظرات الدهشة والاتهام من عيون أولئك الذين يقفون خارج هذه المنطقة، أولئك الذين ظلوا هناك بعيدا، وظل هو فيها متوحدا مع طائره حتى دبت فيه الروح.
(3)
اللحظة التي عاين فيها الحياة وهي تدب حقيقة في "طائره الملكي" هي أكثر لحظات حياته إشراقا، لحظة البرهان الساطع على أن ما به لم يكن ضلالا، اللحظة التي أيقن فيها أن القبس الذي بداخله يمكن أن يضيء العالم، لحظة اكتشاف نادرة، استغرقت حتى تتحقق عشر سنوات، فصارت أقرب إلى لحظات الوصول إلى نهاية السباق، اللحظة التي ظلت جديرة بأن تعقبها زيارة يومية للبنك لساعتين على الأقل، يمضيها جالسا في مقاعد انتظار العملاء، لثلاثة أشهر بلا مهمة سوى تأملها من خلف الزجاج، يحلل الابتسامة والإيماءة والحركة، ومسكة الهاتف الداخلي حين تضطر لتثبيته إلى كتفها برقبة مائلة لتستخدم يديها في كتابة ما تسمعه، ويوشك أن يعرف ما تردده من حركة الشفتين، وما يدور بذهنها حين تفكر، وحين يرن هاتفها النقال تنظر إليه ولا ترد لأنها مشغولة، متنبئا متى تستدير، ومتى تميل، ومتى تقوم إلى داخل البنك، ومتى تعود إلى مقعدها خلف الشباك، هائما بنظراتها التي تتنقل بين الشاشة والعميل وماكينة الطباعة، فيما أصابعها تعزف في تناغم على لوحة المفاتيح، حتى يغادر مفعما بالحياة، ويتساءل عن المصادفة الغريبة، والقدر الذي جعله يترك بنكا يتعامل معه، إلى بنك لم يدخله من قبل، وعما إذا كان "عدم وجود مكان انتظار" هو ما اضطره إلى السير إلى الأمام بحثا عن مكان حتى وجد نفسه أمام لافتة بنك آخر، أم أنها أسباب ظاهرية كي يدخل لا يدري ماذا يفعل؟ استخرج رقما من الماكينة وانتظر دوره متفحصا كعادته وجوه الجالسات خلف الشبابيك، كأنهن في صالة عرض للجمال حتى توقفت عيناه عليها في ذهول، وظهر رقمه على شباكها كفائز في مسابقة يا نصيب، لتكون اللحظة الأكثر إشراقا في حياته، والقبس الذي بداخله يضيء العالم.
من رواية البجعة البيضاء دار النسيم 2021

مساحة إعلانية