مساحة إعلانية
(رائحة ضجيج الصمت ) صدرت عن الهيئة العامة لقصور الثقافة 2025بعد فوزها بمشروع النشر الإقليمي فرع ثقافة السويس.تبدو أنها ومضات سردية لكنها أكثر من ذلك، بداية من العنوان تضاد الحواس واجتماع حاستي الشم والسمع معًا وهذا يعني أن المشاعر المكبوتة صاخبة جدًا رغم المكان، الإهداء إلى الابنة "يارا" مفعم بالبهجة والعاطفة الجياشة بدأنا بالمغتر (المغترب) تقودني خطاي إلى المنفى ولا من عودة .. ما الذي نعود إليه؟ ولماذا لا نعود؟ شعور الاغتراب بتشبيه المنفى الحياتي بالموت الذي لا رجعة منه، جملة سردية مكثفة قرار نهائي ينقصه تفاصيل ربما نعيش التفاصيل بداخلنا.
قدري، قصة فيها مواجهة للنفس والنظر في المرايا، تصادقت مع أعدائي، ينتحر القلق، أبنوسي، تعوشب نجد أن الكاتب استخدم مرادفات متميزة تليق بالحالة العامة للقصص القصيرة جدًا التي نجحت في نسج خيال مُحرَر من القوالب المتكررة، دراسة للمواقف الإنسانية العميقة تدور حول ماهية الموت ، الوحدة، الحزن، اليأس، اللغة بسيطة وشاعرية مع لمسات فلسفية تتضامن مع أحداث القصص التي خرجت عن النمط المألوف بعبقرية قد تبدو بعضها أقرب للخواطر لكنها لم تخلُ من التصاعد الدرامي والنهايات المفتوحة وهو شكل حديث من أشكال كتابة القصص القصيرة جدًا غير النمطية كما فعلها كتاب كبار من قبل مثل إرنست هيمنغواي ونجيب محفوظ وغيرهم، استخدام الكاتب للألوان أضاف تضاد بين حالة من الأمل بعد اليأس كنوع من التأمل في مصير أبطال القصص، المجموعة متجددة ومعاصرة بتعقيد مبسط للغاية تُقرأ على مهل كارتشاف قهوة حلوة المذاق لذا استعنت ببعض الاقتباسات التي أعجبتني "الإنسان محسود على حاله سواء وحيدًا أو معه أطفال" "شمال شرقي قلبي أجلستك، وعجبت لشاربك ذي الشعيرات البيضاء في كل لقاء بيننا" "جمعتنا شقائق ود" "أراك في كلمات شعري الذي طالما استهواك " "كيف أعود من ساحة الردى بدون دم قاتلي؟" نجحت تلك المجموعة في ترك مساحة للقاريء كي يكون مشاركًا في بناء الحدث ووضع تصوراته، كما أنه يقدم مشروعًا مترابطًا وليس مجرد ومضات متناثرة.
الرمزية والانفتاح الدلالي مما يجعلك تريد قراءة القصة أكثر من مرة لتشعر بمعانيها في كل مرة تقرؤها لم يتولد غموض مصطنعً بل تكثيف لغوي يركز على الجمالية، المنمنمات هنا كانت ركيزة ونقطة قوة لقلم الكاتب مع حضور واضح للأسئلة الوجودية مثل الهوية والغياب، العبث والمعنى، الصمت والكلام ، بعض القصص شملت مفارقة ذهنية وقلب التوقعات، قصص أخرى اعتمدت التجريب المفتوح المتأرجح بين السرد والشذرة الشعرية فذاب الحدث القصصي في سبيل التأمل اللغوي مما منحها التفرد خلال ١٠٠ صفحة من المتعة بين غلاف اجتمع فيه لون أسود يقاوم الموت والضعف والقتامة وصراع بين حياة بالأخضر ومساحة من الوعي والهدوء بالأرزق.
