مساحة إعلانية
1ـ أحمد تمساح ( معلماً وأديباً )
كان الشاعر الراحل " أحمد تمساح " معلماً لمادة الدراسات الاجتماعية ( التاريخ والجغرافيا ) ، وكان عاشقاً لها ؛ فهذه المادة بأحداثها التاريخية ومعالمها الجغرافية تعتبر شائكة بكل المقاييس ، وإن لم يكن هناك عشق لها من المعلم ، كان توصيله للمعلومة جافاً ولا يصل إلى مرحلة الفهم عند المتلقي . ولذلك ، كان أحمد تمساح مميزاً في توصيلها للطالب ، بل كان يخلق عندهم حالة من التشويق والبهجة والرغبة الصادقة في التحصيل . وكما كان يحسن ذلك معلماً ، كان يحسنه أيضاً وهو موجهاً لزملائه في نفس التخصص ، حتى يصلوا إلى خلق حالة من الحب بين الطالب والمادة .
ـ عشق " أحمد تمساح " لطبيعة تخصصه الأكاديمي ، انعكس عليه كشاعر وأديب في ناحيتين :
الأولى : أسلوبه في التعامل مع المبتدئين الذين يترددون على نادي الادب بقصر ثقافة قوص ، حيث كان يقدم لهم النصيحة بأسلوب سهل ومبسط ، وبخاصة عندما يشعر أنه أمام موهبة حقيقية يمكن أن تشق طريقها في مجال الإبداع .
الثانية : " أحمد تمساح " كشاعر ، استفاد من طبيعة تخصصه في مادة الدراسات الاجتماعية ، بأن كان له معجمه الخاص الذي ينتقي منه مفردات قصيدته ، والتي كانت لا تخلو من ملمح تاريخي أو جغرافي ، مثل : ( شاطئ الروح ، عواصم الندى ، أرض السنا ، بدر بالسما تم ، بردية الندى والسر ... إلخ .
2 ـ الناصح الأمين :
كان " أحمد تمساح " ناصحاً أميناً لكل من يطرق باب الأدب في نادي أدب قوص الذي تولى رئاسته أكثر من مرة ؛ فقد كان يوصي دائماً بأهمية القراءة ، ليس في مجال الأدب فحسب ، ولكن في كل المجالات . وهو يعني بذلك أن يكون الإنسان مثقفاً وواعياً بكل ما يدور من حوله . إضافة إلى التحلي بالجلدة والصبر عند كتابته للعمل الأدبي وعدم التسرع في نشره ، وفي ذلك كان يقول : ( عملك بين ايديك ملكك ، لكن إذا خرج للآخرين أصبح ملكاً لهم ) ، وكان يوصي في ذلك بالقلم الرصاص والمساحة لما فيهما من إيحاء بالجلدة وانتقاء الكلمات . وكان يوصي الموهوبين من الشباب بأهمية عرض أعمالهم وقراءتها في ورشة الأدباء بالنادي ، لأن ذلك يساعد في ظهور العمل بصورة أفضل ، وذلك من خلال الاستفادة من وجهات النظر المختلفة ، لأنهم يضعون أعينهم على الثغرات . كما كان يوصي الشباب أيضاً بالتواضع وعدم الغرور ، وكان يقول في ذلك : ( اصغر في نظرك ، واكبر في نظر الآخرين ) . وكان ينصح أيضاً بالبعد عن التقليد ، وأن يكون للواحد منهم أسلوبه الخاص الذي يجعل القراء يعرفونه حتى ولو لم يكتب اسمه على العمل . كما كان يحث الشباب بمدى أهمية اتقانهم للإلقاء ، وحرصهم على الاهتمام باللغة والقراءة في المعجم . وكان يقول : أن هناك ثوابت يحرص على أدائها كل ليلة من الساعة الواحدة بعد منتصف حتى الساعة الثالثة صباحاً وهي : قراءة القرآن ، قراءة التفسير ، القراءة في المعجم .
3 ـ المحارب الودود :
أحمد تمساح ، يستحق لقب المحارب عن جدارة ، ولا تثني من عزيمته الطعنات والحوادث ؛ فبعد أن تعرض " أحمد تمساح " لحادث مؤلم في أواخر عام 2009 وهو يشارك في ( محكى القلعة ) حيث تعرض لحادث موتوسيكل في المهندسين ، ونتج عنه إصابته بشعر في الحوض نقل على اثره إلى المستشفى ، وكلف أهله عربة خاصة تنقله من هناك إلى محل إقامته في مدينة قوص . ظننت أن " أحمد تمساح " سوف يتوقف عند حدود ذلك ، أو على الأقل بالنسبة للسفر إلى العاصمة . لكنني فوجئت به في العام 2011 يسافر إلى القاهرة ليشارك في مؤتمر ( أمل دنقل ) وبصورة غير رسمية ، حيث يتكلف نفقاتها على حسابه الخاص . والأبعد من لك : أنه كان في المؤتمر في قمة نشاطه ، يسعى إلى التعرف على الأدباء وكسب صداقات جديدة ، كما كان يسعى إلى توصيل كلمته للآخرين في الجلسات غير الرسمية . إضافة إلى أنه كان ودوداً محباً لأصدقائه القدامى ، ومن أجمل ما رأيت ، عندما التقى " أحمد تمساح " مع الشاعر " محمد التمساح " والود المشترك بينهما من خلال اسم التمساح الذي كان يحدث خلطاً عند الجمهور في بعض الأحيان .
4 ـ خلوته الزحام :
( لا تنتظر الإبداع ، ولكن اذهب إليه ) ! هذه مقولة كان يرددها " أحمد تمساح " ويعمل بها ؛ فهو كان يومياً يخرج من بيته في الصباح من محل إقامته في قرية ( المعري ) قاصداً مدينة ( قوص ) التي تبعد حوالي ستة كيلو مترات ، لا لشيء إلا للإبداع وشراء الصحف والمجلات . ثم يعود إلى بيته في الظهيرة ، ومع آذان العصر يعيد الكرة مرة أخرى ، لكنه يبقى هناك حتى يمتد به الوقت إلى منتصف الليل أحياناً . وفي المدينة كان يجلس وحيداً وفي مكان بالقرب من بائع الجرائد ، لا يفعل شيئاً غير أنه يفكر ويتأمل في صمت ولا يكتب شيئاً ، ولكن عندما يعود إلى منزله في منتصف الليل ، يمسك بالورقة والقلم ويكتب ما جمعته ذاكرته . سألته يوماً : كيف تستطيع أن تحتفظ بما تحصله من أفكار وقصائد طوال بقاءك في المدينة دون ورقة أو قلم ؟ فضحك وقال : أنا أكتبها في الهواء ، وفي البيت أسكبها على الورق ! .
" أحمد تمساح " كان إنساناً بمعنى الكلمة ؛ فمن المعروف أن الإبداع له ضغوطه ، وفي الغالب تجد المبدع في حالات الإبداع ، لا يتحمل أن يجالسه أحد ، أو أن أحداً يقطع خلوته ، لكن " أحمد تمساح " كانت خلوته الزحام ؛ فبينما يكون مستغرقاً في تفكيره وتأملاته يسلم عليه شخص بسيط ؛ فينتبه إليه تماماً ، وإذا رغب في الحديث معه ، يعطيه الفرصة كاملة دون ضيق أو ضجر ؛ فإذا ما اصرف عاد إلى ما كان عليه . إنها غاية في الصعوبة ، لكنه ألف ذلك وتآلف معه .
5 ـ واحدة من قصائده القصيرة :
قيوم أنت
حي أنت
قيوم أنت قبلنا
وقبل الكون كنت
الأبجدية لك
الأبدية لك
والملك لك
وسبحان من
منّ علينا بالحياة .

الشاعر الراحل أحمد تمساح ( 1958م - 2025م)