مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

القصيدة الراقصة... بقلم إيمان العطيفي

2026-05-10 04:27 PM  - 
القصيدة الراقصة... بقلم إيمان العطيفي
صورة تعبيرية

جلست أمام النافذة ،تبحث عن شفق بعيد، كان يرسم صورته على صفحة السماء كل صباح.

كانت ترى  ظله فى الغيم ، صوت خطواته فى الريح ،ابتسامته فى وجه القمر.

كانت تسمي هذا الانتظار حياة.

حتى جاء فجر ،لم تجد فيه شفق ،سحابة بركانية غطت وجه السماء .

الرماد فى كل شىء ،الهواء ،السحب، ذيل فستانها ،اطراف أصابعها،وفى حلقها.

اليوم لم يوقظها منبه ،أيقظها وجع قديم ، صرخ فيها ، قفِ او موتي، نفذت كل اختياراتك الأخرى.

فى المطبخ ركوة ،ماء ،قهوة   صعيدية التحويجة ،ونار هادئة.

بلا سكر.

كانت تعلم ان فى المرارة نجاة ،وفى القهوة تركيز ،وفى الهدوء اتزان وعقلانية تحتاجهما بشدة.

سكبت لنفسها فنجانا ،وضعته على الطاولة ،صوت تسلل من نافذة الجيران دون استئذان ( يُسمعني حين يراقصنى ،كلمات ليست كالكلمات ،يخلعني من تحت ذ راعي ،يزرعني ،فى احدى الغيمات ) .

اذا اجتمعت ماجدة الرومي مع القباني ،دبت الحياة ،سارعت باغلاق النافذة ،سحبت ستائرها الثقيلة بعنف ،اظلمت الردهة ،عادت إلى الطاولة.

أغمضت عينيها ،حاولت حواسها خيانتها بالتنصت خلسة على الأغنية ،قاومتها ،اغلقت نوافذها القلبية كما اغلقت الستائر والشباك.

استطعت أول رشفة بغمضة عين ،ونفس عميق ،تلذذت بمذاقها المرير ،همهمت : ادفا من  -صباح الخير - التى لم تأتِ.

سحبت رشفة أخرى ،سحبت دفترها من الدرج .

يدها فوق الطاولة ،وقلبها فوق السطور .

إلى صانع القيامة ....

لم تأت بجرس صاخب ،جئت بركوة نحاسية جديدة ،وقهوة تركية النكهة ،وعينين تعتذران عن كل القصائد التى لم تكتب ،وعن فنجان شربته باردا وحدي.

رأيت الرماد عالقا بذيل فستاني ،ولم تشح بوجهك.

اقتربت خطوة واحدة كانت تقول : رأيت حربك ...وأنا هنا.

لم تقل : جئت لأنقذك !

فالنجاة بدأت فى غياب منك.

اخذتُ منك الركوة ،لمست أصابعك ثانية واحدة ،كانت كافية لتشعل فتيلا بين رمادين فيقوما.

حين أومأت ،سمعت صوت الخزف وهو يلامس الخشب، صوت الفنجان الثاني وهو يعلن أنه أعلى من أى اعتراف.

صببت لنا ،بخار تصاعد بيننا ،سد فراغ سنين من الصمت ،والكش ملك الزائفة.

الجورية التى احتملت السُكنى اعلى قلبك سنوات ملت ،وضعتها على الطاولة بين فجانين، لم تكن هدية ،بل جسر للوصول.

 انت الذى لم يسأل عن سبب الحريق .

سألت فقط ،: تحبي قهوتك سادة......والا بمعافرة ؟!!!

 وانا اخترت المعافرة معك.

لأنك صديقي الوحيد ،حبيب عطوف بلا مصلحة .

أحببتني والرماد على كتفي ،سميته تاجاً.

تحبني بعيوبي ، تعلمني الصبر ،لا كدرس ،بل كنفس يتكرر مع كل شروق.

علمتني أن الرماد لا ينتهي بالنفض ،أو بتغيير الفستان.

ينتهي ... حين يتحول الى حبر  أكتب به أوجاعي ،ارسم به رقعتنا الجديدة.

بيدقان فقط ،يتحركان خطوة ،فيلتقيان فى المنتصف.

القصيدة الراقصة ،لم أكتبها أنا , هى التى كتبتني حين قررت القيام من أمام النافذة,

والتوقف عن البحث عن شفق يرسمه الأخرون.

سأصنع فجري بيدي ....بفنجانين وجورية قديمة , فشكرا لك , جعلت القصيدة ترقص ، جعلت الفينق يدرك ،ان الشفق الحقيقي ،لا يأتي من السماء , بل...يسكب من ركوة قهوة.

التوقيع ....أنا.

الحبر: رماد الولادة

التاريخ: أول فجر لم أنتظر فيه الشفق.

 

مساحة إعلانية