مساحة إعلانية
كانت مجموعة من شعراء الزمن الماضي قد تعودت على سهرة أسبوعية في أحد مقاهي القاهرة ، وقد اجتمع ذات ليلة الأساتذة المرحومون : بيرم التونسي ، ومحمد مصطفى حمام ، وعبد الله حبيب ، وصالح الشرنوبي.
وبدأت السهرة ذات مرة بأن ألقى الأستاذ حمام سؤالا بريئا عن " الغلاء "فقال :
- " ما رأيكم في نكبة الغلاءِ ؟ "
فالتقطه بيرم التونسي رحمه الله وقال :
أعدها عندي من النعماء
لأنني من أكبر الأعيان ................ومن ذوي الأملاك والأطيان
وكل شهر عند قبض الأجرة .............أقبضها مضروبة في عشرة
فلا أبالي بغلاء اللحمة ................وأدهس الفقير وسط الزحمة
وبالريال أشتري الفسيخة.....................وبالجنيه أشتري بطيخة
وألبس البدلة يوما واحدا ................وقد أمزّق الفلوس عامدا
باركْ لنا اللهم في الغلاء.................... فإنني في غاية الهناء !!
وهنا انبرى له الأستاذ حمام فقال :
يأيها السعيد بالغلاءِ............................ويا عدوَّ الرُّخْصِ والرخاء
يا فرحا بالبدلة البيضاء ...............والجزمة المنقوشة السمراء
سيبتليك الله بالحرامي............... ينهبُ ما جمَّعتَ من حُطام
ويسرق الأشعار والأزجالا .............ويخطف القصة والموَّالا
وذاك كُلُّ طينك المزعومِ ............. وكل ما جمَّعتَ من هدوم
هل أنت بالوهم تغطي بؤسكا ؟....أم أنت بالفَشْر تعزي نفسكا ؟
ثم تدخل الشاعر عبد الله حبيب فقال :
أبيرمٌ أضحى غَنِيَّ حَرْبِ...............وكان لا يملك غير الكُتْبِ؟
أم هو يبغي أن نثير حَمْلَة ...........على الغلاء كلنا بالجملة؟
إن كان هذا قصده فمرحبا ...........فكلنا كالفيلسوف " بيدبا "
نشنُّها معركةً سجالا .......................ونضرب الحكمة والأمثالا
فرد بيرم بحدة وشدة وتأكيد قائلا :
إن الغلاء في البلاد حركة ....................فكله غنيمة وبركة
إن لم تصدق فاسأل الجزّارا............. أو الذي باع لنا الخِيارا
ثم اسأل البقال والقمَّاشا ...........وبائع الفطير و " البوغاشا "
فهؤلاء وجهاء الأمة .......................ورأيُهم معتَبَرٌ في القمة !
أما الفقير فخسيس المعدنِ.............لأنه لم يجتهد ويغتني !
وهنا تقدم صالح الشرنوبي فقال :
لكنني أحبُّ أن أقولا .........................عن الغلاء غير ما قد قيلا
إن الغلاء ليس بالجديد ................... فكلنا بات " على الحديد " !
ولا تظنوا بدلةً لبيرمِ ..........................دليلَ يُسْرٍ فاحش أو مغنم
فكم على الغبراء من بَدْلاءِ.................بيضاء في الخلقة أو جرباء
لكنها ليست دليل يُسْر..........................فإنني ألبسها من صغري
ومع ذا لو جُبْتمُ العوالما............. لن تجدوا مثلي فقيرا مُعْدَما
وإن تحدثتم عن الغلاء ........................ فلتضربوا بي مَثَلَ البأساء
فوالذي أطعمكم من جوعِ .......... ما ذُقْتُ طَعْمَ اللحم من أسبوع
وهنا تساءل مدير الجلسة الشاعر عبد الله حبيب :
فما عسى تقولُ يا حمامُ ؟.............أليس يغنينا هنا الصيامُ ؟
فقال حمام :
لا تنفعُ الحكمة يا إخواني ........................ولا حديث الشعر والبيان
وإنما ينفعنا البكاء...........................................على زمان كله بأساء
فابكوا ، وإن لم تملكوا دموعا ..........فلتضحكوا حتى تموتوا جوعا!!
..............
وهكذا كانت مصر في كل زمن ساخرة من ظروف شظف العيش !!