مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

الجميلي أحمد يكتب: سيد العديسي… أثر من الجنوب لا يُمحى بالغياب

2026-05-04 06:01 AM  - 
الجميلي أحمد يكتب: سيد العديسي… أثر من الجنوب لا يُمحى بالغياب
الجميلي أحمد

ليس من السهل أن نتعامل مع الغياب كأنه حدث عابر لكنه هذه المرة يبدو أقرب إلى حكم قاسٍ لا يميز بين من يرحلون وكأن الفقد يمر على الجميع بالمسطرة نفسها دون أن ينظر لما يتركونه خلفهم ففي أسبوع واحد ودّع الجنوب أشرف البولاقي ثم لحق به سيد العديسي وكأن المسافة بين الرحيلين لم تكن سوى مهلة قصيرة لندرك حجم ما نفقده
سيد لم يكن من الذين يعلنون حضورهم بصوت مرتفع بل كان حضوره يتسلل بهدوء إلى من يعرفونه وإلى من يقرأونه كان يكتب جملته دون أن يحمّلها أكثر مما تحتمل ودون أن يزينها بما يفسدها وكأن كل كلمة عنده تعرف مكانها قبل أن تُكتب لذلك بدت نصوصه خفيفة على العين لكنها ثقيلة في الوجدان
لم يكن يبحث عن لحظة لامعة بقدر ما كان يلتقط ما يمر خفيفا على الآخرين فيمنحه وزنه الحقيقي التفاصيل الصغيرة التي لا يراها أحد كانت عنده مادة كافية لصناعة نص كامل لا يستعرض ولا يتكلف لكنه يبقى لأنه خرج من مكان صادق لا من رغبة في إثبات شيء
وفي عمله الصحفي كان يتعامل مع الكلمة باعتبارها مسؤولية لا مادة تُستهلك كان يكتب ليقول ما يجب أن يقال لا ما يرضي اللحظة ولذلك جاءت كتاباته واضحة دون مباشرة وعميقة دون تعقيد كأنه يوازن دائما بين ما يريده المعنى وما تحتمله اللغة
الذين عرفوه لم يحتاجوا إلى تعريف طويل به يكفي أن تجلس معه لتدرك أنك أمام شخص لا يدفعك إلى شيء ولا يسحبك إلى ضجيجه لأنه ببساطة لا يعيش في الضجيج كان يمر بهدوء لكنه يترك خلفه إحساسا بأن هناك شيئا حقيقيا كان هنا ثم غاب
رحيل أشرف البولاقي لم يكن مجرد خبر ورحيل سيد العديسي بعده ليس تكرارا له بل امتداد لحالة فقد واحدة تكشف أن الجنوب خسر صوتين كانا يكتبان من الداخل لا من فوق السطح صوتين يختلفان في الطريقة لكنهما يلتقيان في الصدق وفي تلك المسافة النادرة بين الكاتب وما يكتبه حيث لا مكان للادعاء
هكذا لا يبدو الغياب عادلا ولا متوازنا بل يبدو كأنه يختار من يتركون أثرا أكبر ليضاعف الإحساس بالفقد ومع ذلك يبقى ما تركوه أقوى من لحظة الرحيل يبقى في الجمل التي كتبوها وفي أثرهم الذي لا يختفي بسهولة وكأن ما كتبوه يواصل الكلام نيابة عنهم بعد أن صمتوا
ومن نصوصه 

كأي صعيدي،
لا أستطيع قول "أحبك"
وكلما قررت القفز على التقاليد لأقولها
خرجت: كيف حالك؟
فاعذريني لأنني "كيف حالك جدا".
...
نحن أبناء الفلاحين
نمشي بعيون سوداء
من كثرة ما نظرنا إلى الأرض
لو أننا نظرنا إلى السماء
-فقط بضع دقائق-
لصارت عيوننا زرقاء
ولمات العالم من الجوع.
...
ذات مرة
ستعلمك أمي
كيف تختارين الوقت المناسب لتضعي الخبز،
قبل أن تهدأ نار فرننا الطيني.
سينكفئ منك، ويحترق
حينها ستضيق بك غرفتك
وتحزنين
بينما امي في بهو الدار
تجمع جيرانها
لتحكي لهم عن فوائد الخبز المحترق.
...
حتى أمي لم تمنحني الفرصة أبدا
كي أبدو مهذبا
كلما صحوت مبكرا
_ لتقبيل يدها_
خبأتها في "العجين".
...
أنا مزارع فاشل
ودائما ما أنسى شيئًا يتسبب في كارثة
مثلاً
لم أحول مجرى المياه في الوقت المناسب
فأغرقت محصول القمح
أشعلت النار لأخيف الفئران
فكادت تلتهم ما زرع الجيران
وكثيرًا ما ينبهني الصبية
لألتقط فأسي من الطريق
هل سمع أحد عن فلاح ينسى أين وضع بقراته؟
يا حبيبتي أنا مزارع فاشل
وسيئ الحظ
لكن صدقيني..
كان باستطاعتي أن أكون ماهرا
لو لم يخلق الله بيتكم بجوار الحقل.

وداعًا سيد العديسي نموت يا صديقي وتبقى الكلمات سلامي لكل من سبقوك وآخرهم أشرف البولاقي

مساحة إعلانية