مساحة إعلانية
لفتت نظري ملامح كثيرة في ديوان هبة عبد الوهاب الصادر عن مركز عماد قطري للإبداع والتنمية الثقافية عام 2016 ، لعل أبرز مالفت نظري هو غزارة التناص في هذا الديوان.
ومصطلح التناص يعني التواجد اللغوي لنص في نص آخر , أي كل ما يجعل النص في علاقة ظاهرة أو خفية مع نصوص أخرى
ويمكن القول هو عملية التفاعل بين النصوص، كما أشارت إليه اكريستفا بقولها : ( النص ترحال للنصوص و تداخل نص في فضاء نص معين تتقاطع و تتنافي ملفوظات عديدة مقتطعة من نصوص أخرى )
ويصف جيرارجينت التناص " هو ذلك الرق الذي أزيلت منه الكتابة الأولى لتحل محلها أخرى، ولكن العملية لم تطمس كليا النص الأول " والتناص تفاعل وإضافة
التناص في ديوان صادفت ذاكرتي معه في عدد من الجوانب ( ملمح النبوة والرسالة ، وملمح التراث الديني ، وملمح اللغة الترائية والمنتمية للقرآن أو لغة العصر ، الجاهلي ثم الإسلامي ظاهرة جلية في هذا الديوان)
ومن لحظة الإهداء يظهر ما أشرت إليه
تقول الشاعرة هبة عبد الوهاب في الإهداء
(وأنا على الأعرافِ أقضي في رحيل الغارقين بنكهتي
راقبت سهوًا ما لكمْ
فهل انتبهتم للحياةِ، وَمَكرِها..؟
قدْ صُفّدتْ كلّ القصائدِ
واقتُطفتُ من الورودِ رسالةً للعاشقينَ
ليقرؤوا...
لم يقرؤوا !
واستبشرتْ كل المعاني)
نستحضر هنا صورة الأعراف و ما عرضه القران الكريم في سورة الأعراف عن جبل بين الجنة والنار عليه اقوام لم تصل حسناتهم حد الفوز بالجنة ولا سيئاتهم حد العقاب في الجحيم وكذلك دلالات البشارة في التراث الديني وسجود السهو وتصفيد الشياطين في رمضان وما حدث في غار حراء للنبي محمد اقرأ ما أنا بقارئ
كلها موجودة هنا في هذا المقطع الصغير والشاعرة مشغولة هي جدا بفكرة النبوة وأنها أي النبوة تحتاج التطهر والإخلاص والصراحة ليستحق الحبيبان تحمل رسالة الحب حتى لا يتحول إلى مجرد سراب خادع
(متآمران..
أنا وأنت.. وندّعي صدقَ النبوءةِ،
والنبوءةُ لا تصاحبُ مَن يُراوغُ في الغرامِ ويدّعي
قلبي المحبّ إلى الحبيب مُسافرٌ
والشوقُ أسقمه الرّحيلُ إلى السرابِ..)
وفي نص أخر تستحضر قصة موسى والسبع آيات و شق البحر لبني إسرائيل وقصة النار التي رآها موسى فأراد ان يقتبس منها وهي هنا تحتاج لقبس يهديها وآيات تمنحها القدرة على تبليغ رسالتها وعصا تشق نهر الروح لتعبر بها إلى السلام
(ماذا جنيتُ
مالي هنا سبْعُ آياتٍ لأذْكرَها
مالي سبيلٌ لنهْرِ الرّوحِ ينْفلِقُ
ما لي سوى الليلِ أقْضيه على وجلٍ
في الصّبْحِ نفْسٌ إلى غيبٍ ستنْطلِقُ
يا ويلتي قدْ أصبْتَ القلْبَ في عجَبٍ
بجذْوةٍ تحْتسى عمري .. فأحْترقُ)
وحين تريد التعبير عن معركة الرجل التي لا تستحق الحرب وهي معركة الفوز بجسد المرأة فقط لا تستحي أن تستعير الشاعرة مثالا من القران الكريم
مع التعديل فالحرب لم تضع أوزارها ورأس البعوضة لا ذيلها
ضربتَ سيفكَ.. فارتعدنا،
ثم مالتْ رايةُ الحقِّ النّبيلِ،
رقصتَ فوق حصانِك الغرّ الجميلِ،
تلفُّ في يمناكَ نسرًا جامحًا..
والحربُ قابضةٌ على أوزارِها،
مِنْ أجلِ أنْ تأتي برأسِ بعوضة
مازالت الشاعرة تنحاز للعصور القديمة حيث المبارزة بالسيف والحصان وتلتفت إلى المتنبي في معاتبة سيف الدولة فيك الخصام وانت الخصم والحكم ولا تنسى بردة الرسول التي ألقاها على كعب بن زهير الشاعر الذي جاء الرسول معتذرا له بشعر جميل
(وأنت الخصمُ والجلّادُ والقاضي..!
حملتُ خطيئتي عمدًا.. وجئتُ إليكَ عاشقة
لأدخلَ جنّة الآثامِ في دنياكَ راغبة..
وأخلعُ بُردةَ الماضي..)
وفكرة التناص لا تقتصر على التراث فقط بل تمزجه بمفردات من العصر الحديث مثل لا صوت يعلو فوق صوت المعركة عقب هزيمة 67 وبداية حرالاستنزاف
ومضٌ أضاء الحرف .. كم راقتْ له
أوجاعُ شوقٍ في الضّلوعِ
وتعتلي
لا صوت يعلو فوقَ صوت صبابتي
ولا يخلو نص من هذا التناص من القرآن ومن تراث المتصوفة
يا ظلّ روحي ..
هل أتاكَ حديثُنا
وببابِ قبرِكَ .. نخلعُ الأوزارا
نص آخر رغم ان الموناليزا رمز غربي لكن مزجته بتراثنا القرآني كالإسراء والمعراج الى سدرة المنتهى والهجرة والغار وحمامة الغار
أقرأُ لوحاتِ الموناليزا في نُسختها الأحدث
عند عروجِ النّص إلى سدرة صمتي
أتقلّبُ كحمامةِ غارٍ
فقؤوا عينيها
فأنار اللهُ بصيرتَها
كما قلت التراث الصوفي حاضر وبقوة من السعي بالصفا والمروة الى النشوة بالوصول
ذاك المُتسللُ
كى يبزغَ في طَرفَةِ عينٍ يقصدها هذا الحارس
غافٍ عنه
يتركه يسعى بين صفاهُ ومرواهُ
كمن حجَّ إلى بيتٍ صوفيّ مُتشحًا
برؤاه ومُنتشيًا بهداهُ
كذلك أوراد الصوفي المتنسك التي تعينه في رحلته الى الوصول
لا تذْكروني إنْ ذَكرْتُم عاشقًا
العاشقونَ
تَقاسموا أوْرادي
قصدي إلى يومِ التلاقي
رحلتي..
عيناكَ
أسفاري وكل عتادي
وفي نص قريب للحلاج وحكمته تقول
نحن التّقليديّين سُكارى
نحترفُ القتلَ النّاعمِ كمدًا
يا قومًا أدركتم بجمالِ الله آياتِ اللهِ
فإيّاكم والصّمت على شوقٍ يشقى عن فعلةِ فاعلهِ
يَهلِكُ شعرًا
لو أدركتم أنْ تحيوا الموتَ بإتقانِ العُشّاقِ
ففي موتِ العُشّاقِ حياةٌ
وبعين المُتعةِ تكتبُ أسفارُ حياةٍ
من سفرِ الشّوق سنقرأُ
لا تحزنْ !
يا قلبًا لمْ تنزف بردًا وسلامًا
بل جمرًا
أبدًا أبدًا لا يهدأُ
وحديث النفس اللوامة التي أقسم بها الله تستعيره لتعبر عن حالها تجاه المحبوب
سيّدي !
بحر الرّمالِ يجرّني نحو الهلاكْ
جيشٌ من الأصفادِ قيّد خاطري
لوّامةٌ نفسي إليكَ
ولومُها عند التصافحِ
كذلك خيرهما من يبدأ بالسلام
وبكلٍ وادٍ ألفُ جُرحٍ لم يتبْ
والقلبُ أثقلهُ التّصالحُ
والتّزيّنُ فى ثيابِ الخانعينَ
وفى تراتيلِ الخُطبْ
قلْ : مَنْ يبادرُ بالسّلامِ
ولي يدان مُقطّعَةْ ؟!
قلنا عالمها منحاز للبيئة القديمة
ومالي أحنّ لقربك وحدي
وعيناك تلك الغزالُ الشَرودْ
ومازال ذئب يوسف وقميصه والجب ومازالت مريم عليها السلام تهز جزع النخلة في حين غسلت الشاعر القميص بدمع الفتاة وتسكن طفلتها بالتيه لا بواد غير ذي زرع والجب لا ينقذ بل لوأد البنات
أرى ذئبَ حلمي إلى الفجرِ يبكي
ويشكو صراخُ الغنى للسكاتْ
ولمْ تكُ تُهمتنا غير أنــّا
غسلنا القميصَ بدمعِ الفتاةْ
وكمْ مرةٍ قلتُ : هزّي إليكِ
بجذعٍ فلمْ تسقط المعجزاتْ !
مفردات الجحيم والجنة والإثم والخطيئة منتشرة بكثافة وعندي شعور بمرارة واقع الفتاة التي لا تستطيع الحياة كما تريد وسيطرة أحكام المجتمع الذكوري والنظر بعين العار للفتاة إذا حاولت مجرد التعبير عن الحب
إنّي أُصاحبُ ألفَ جُرحٍ في القصيدةِ
والجراحُ كما الحروفِ مُراوغةْ
تبًا لقلبٍ كاد يأثمُ هائمًا!
باتتْ قلوبُ العاشقينَ مُبالِغةْ
بعض النصوص الصافية التي تتحدث من موهبة وتمكن
مابي
بي
حرقة الشّوقِ في ثوبِ الفراقِ
وبي مِنْ لعْنة الحبِ
في أوجاع مَنْ عشِقوا
يحنو السّحابُ
فيرْوي الليلَ مِنْ وجعي
سهمُ الجراحِ يشقُّ القلبَ يخترقُ
ما حالُ قلبِكَ عند البينِ؟
أرَّقني منكَ البعادُ
ونبضُ القلبِ يفترقُ
النص الرائع لولا العنوان العادي اي الذي لم ترهق نفسها فيه
شغف الحنين
شغفُ الحنينُ إلى هواك مُراوغٌ
والقلبُ يكتمُ شوقه ويفوتُ
بل لي عيونٌ عاشقاتٌ لمْ تنمْ
والعينُ يسبي جفنَها الياقوتُ
يا أيها المذبوح لا تنزف دمًا
فالنّزفُ مِسكٌ والجروحُ بيوتُ
كذلك المقطع الرقيق التالي
نداء الشّوق
نداءُ الشوقِ يقصدُنى
وأقصدُ مَنْ هواه البيـنْ
وتسجدُ دمعةُ العشّاِ
ق فى محرابِ ذاكَ الدّيــنْ
أخبئُ فى جيوبِ القلـْ
ــبِ حَلواهُ أخبئُ أيـن؟
وتلكَ بلاغتى ضاقتْ
فهلْ تقضى صلاةُ العينْ؟
الشاعرة تختلف عن الشاعر في دقة الرصد الأنثوي للأشياء
هل راق لكْ ؟
أمضي
وَتدْركني حَقائبُ غُربةٍ
خَبأتُها في جَفنِ ليلٍ مُلهمٍ،
وَضفيرَةُ الأفكارِ مُسدلهٌ على ظهرِ الظلامِ
تُجمّلُ السّرّ الذى صاحبتُه
ورِباطُ شِعْري ناعمٌ
خيطانِ مِنْ ساتانِ عمْرٍ ضائع
وتوصي ابنتها _
يا جهاد تمرّدي !
إنّي أخبّئ في عيونِ القلبِ عنكِ مدامعي..
قلبي يُراقبُ في عيونكِ
ما تصفّدَ مِنْ غدي
والشاعرة تحمل روحا متمردة لكنها متمردة على الورق فقط
بين السّطورِ
إنّي أُمارسُ ما أشاءُ من التّحررِ ها هُنا
بين السطورِ لـ أءتلقْ
وأعودُ..
أعبرُ ليلتي
وأقومُ أعبر ليلتي
الديوان يحمل تجربة ذاتية ونستطيع أن نشارك الشاعرة عالمها الخاص نتعاطف مع هزائمها ونشعر بالقهر الذي تعانيه وفشلها في الحصول على حقها في حياة تحفظ كيانها مستقلا ونتأثر بأمومتها الحانية مع طفلتها جهاد ونشعر بثراء قرائتها التراثي وروحها المتصوفة المتسامية استطاعت ان ترسم لنا ملامح شخصيتها الفكرية والروحية بنصوص تمتلك الأدبية ولا تننقصها سوى التمرد على قيود الشكل فالديوان من حيث الشكل أغلبه قصيدة الشعر الموزون المقفى( المسمى بالكلاسيكية الجديدة ) وأقله التفعيلة (المسمى بالشعر الحر أو الحديث ) نجحت في كثير من الأحيان في الهروب من فخ التقليد والتعبيرات الجاهزة والقوافي المجلوبة للنص وأحيانا وقعت فيما يقع الكثيرون فيه لتي جعلت بعض النصوص عبئا على الديوان
ولا عيب أن يكون الديوان خمسين صفحة مثلا ولكن العيب في ديوان به صفحات لا فائدة منها وهذا الخطأ نقع نحن جميعا أو قل معظمنا فيه فمن الأفضل أن يكون للمبدع مجموعة من الخلصاء المخلصين من أهل الأدب يستشيرهم قبل طبع الديوان حتى يخرج في أبهى حلة ممكنة.