مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

أمنية حسني مصطفى تكتب: عندما يصبح الفكر قناعاً للمعتدين تحت غطاء التنوير

2026-03-04 12:51 AM  - 
أمنية حسني مصطفى تكتب: عندما يصبح الفكر قناعاً للمعتدين تحت غطاء التنوير
أمنية حسني مصطفى محمد
منبر

في زمن تتصاعد فيه أصوات النساء بحكايات مؤلمة ومفجعة، تطل علينا قضية ليست جديدة لكنها تتخذ أشكالاً مستحدثة؛ إنها قضية التحرش والاستغلال في الأوساط الثقافية، حيث يرتدي البعض عباءة "المثقف" ليخفي وجهاً آخر لا علاقة له بالتنوير الذي يدّعيه.

حكاية تتكرر بنمط ثابت

 كانت في العشرين من عمرها، جامعية برأس مليء بالأحلام ودفتر يفيض بالقصائد. كان هو في الخامسة والأربعين، كاتباً معروفاً واسماً مشهوراً في الأوساط الأدبية. بدا حديثهما الأول ساحراً؛ أثنى على موهبتها واحتضن نصوصها. وبعد أشهر، اكتشفت بالتدريج أن ما يسمى حواراً ثقافياً كان تمهيداً للتلاعب بها، وجدت نفسها تحاول تفكيك كيف تحول ذاك الإعجاب الفكري إلى اعتداء نفسي وأصبحت رقماً إضافياً في قائمة ضحاياه. هذه القصة ليست فريدة، بل هي مشهد يتكرر في المقاهي الأدبية، أروقة الجامعات، والفعاليات الثقافية؛ خلف الأبواب المغلقة لنفس الأماكن التي يُفترض أن تُغذي الإبداع والفكر الحر.

الوهم الجمعي: هل الذكاء حصانة أخلاقية؟

دعنا نواجه حقيقة يخشى الكثيرون قولها بصوت عالٍ: الأوساط الفكرية ليست محصنة ضد المعتدين. الذكاء والأخلاق ليسا وجهين لعملة واحدة؛ فيمكن لشخص أن يكتب ببلاغة عن الحرية بينما يمارس في خفائه أقصى درجات الاستعلاء والذكورية، بل وأحياناً يستخدم كتاباته لبث سمومه تحت ستار "التحرر". بطبيعة الحال، نحن نميل إلى تصديق أن المثقفين هم بالتبعية أشخاص صالحون، وأن من يقرأ ويكتب بعمق لا بد أن يشعر بعمق، وأن حب الأدب يترجم تلقائياً إلى حب الإنسانية. هذا هو الوهم الذي يسمح للمعتدين بالازدهار ويجعلهم خارج دائرة الشكوك؛ فكيف نصدق أن صاحب هذا "القلم المبدع" يمكنه أن يرتكب هذا القبح؟ علينا تحطيم الوهم الجمعي، فالموهبة ليست صكاً للبراءة، فصياغة جملة أدبية لا يضمن أن كاتبها ذو أخلاق رفيعة المستوى.

رؤية كاشفة لأروى صالح

هذا "القناع" الفكري ليس محض الصدفة، بل هو آلية استغلال قديمة فككتها الكاتبة الراحلة أروى صالح في كتابها (المبتسرون) حين كتبت واصفةً ببراعة علاقة المثقف بالمرأة:

"في علاقة المثقف (المصري) بالمرأة، 'يفرجنا' التاريخ على إحدى ألعابه السحرية... إلى لعبة خارج القانون، لعبة من تلك الألعاب المباح فيها استخدام كل المحظورات، وفيصلها الوحيد هو النجاح، لعبة نصب في الواقع. فالفتاة التي تواعد مثقفاً على اللقاء لا تمني نفسها بنزهة فاخرة... وإنما تتوجه إلى مقهى كئيب يشترى لها فيه فتاها المثقف كوباً من الشاي المغلي المُر، ويبيعها أحلاماً 'تقدمية' لا تكلفه سوى أرخص بضاعته: الكلام. كلام لم يعد يعرف هو نفسه أين استقر موقعه الأخير من روحه؛ عن عدالة تتطلع إليها روح فتاة برجوازية صغيرة تحاصرها كل صنوف القهر، وأحياناً المهانة" (١).

سلاح "الابتزاز بالحرية"

ما أشبه الليلة بالبارحة؛ فـ"كوب الشاي المُر" الذي تحدثت عنه أروى، تحول اليوم إلى رسائل إعجاب منمقة على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن الفخ هو الفخ. يستخدم هؤلاء مفردات التنوير كأدوات ضغط؛ فإذا رفضت الفتاة تجاوزاً، بدأ الابتزاز النفسي: "هل أنتِ رجعية؟ لماذا لا تؤمنين بالحريات؟". هذا النوع من "المصائد" يجعل الفتاة تدخل في رحلة إثبات الذات، تحاول جاهدة أن تظهر متحررة ومتفتحة حتى لا يقال عنها إنها متحجرة ورجعية، وهكذا تتلاشى تدريجياً الحدود التي وضعتها. بهذه الطريقة تتحول الحرية من قيمة إنسانية إلى أداة ابتزاز نفسي. فأي خطاب عن الحرية لا يحترم كلمة «لا» هو خطاب أجوف. الفن الحقيقي يحرر الإنسان من الخوف، لا يصنع خوفاً جديداً باسم الانفتاح. الحرية الحقيقية تعني أن تختار، أن ترفض، أن تضع حدوداً دون خوف من السخرية أو الاتهام. لتكتشف أن "الحرية" كانت مجرد فخ لاستباحة كرامتها.

ثقافة الصمت: عندما يكون الحياد شراكة في الجريمة

ليس مجرد صمت، بل هو تواطؤ غير معلن. كما أكدت كاري لوكاس في كتابها (خطايا تحرير المرأة) حين قالت: "ما حدث ليس تحريراً للمرأة، إنما هو تطبيع مع الذئاب من الرجال" (٢). هذا كله يحدث ليس في فراغ، بل داخل أوساط ثقافية كاملة ترى وتصمت. وهنا يأتي السؤال الأكثر إلحاحاً: أين هذه الأوساط من كل ما يحدث؟ كيف تمر هذه السلوكيات تحت سمع وبصر منظومة كاملة تدعي أنها تحتضن التنوير وتدافع عن القيم؟ في الأوساط الأدبية الصغيرة، السمعة فيها هشة، وغالباً ما يُعتبر المتهم (المثقف المعروف) أكثر قيمة من الضحية. مواجهته تعني خسارة العلاقات والمكانة، لذا يُغلف الصمت بعبارات مثل "هو أستاذ كبير، ومن غير المعقول صدور مثل هذه الأفعال منه"، "نحن لسنا جهة وصاية على أحد"، "هذه علاقات شخصية لا شأن لنا بها". لكن الحقيقة هي: عندما نحمي سمعة المعتدي لأن قلمه "مهم"، فنحن نخبر كل مبدعة شابة أن ألمها أقل شأناً من إرثه الأدبي، حينها لا ينحصر الضرر في الضحايا المباشرات، بل يمتد للمشهد الثقافي بأكمله. كم من مبدعة هربت من الأدب بعدما تحول ملاذها الآمن إلى ساحة صيد؟ الوسط الثقافي حين يفقد نساءه، يفقد نصف رؤيته ونصف مستقبله. والنتيجة هي ما حذرت منه أروى صالح: أن يتعلم الكائن المقهور "اللؤم والشراسة" كوسيلة وحيدة للبقاء في وسط لا يحترم براءته، فتستمر الدائرة في "خلق العبيد" (١) بدلاً من تحرير 

المبدعين، فلا ننسَ أن وراء كل قصة يأخذ فيها شخص من الثقافة قناعاً، هناك فتاة دفعت سلامها النفسي ثمناً لهذه التبريرات.

سيكولوجية التلاعب: مراحل السيطرة

ثمة نمط متكرر في سلوك هؤلاء المعتدين، يمكن رصده في مراحل واضحة: يبدؤون بالتتويج بأن الضحية هي "المميزة الوحيدة" التي تفهم عقله حقاً، ثم ينتقلون إلى الاختبار بمشاركتها أسراراً "ممنوعة" لاختبار مدى ولائها وحفظها للسر. بعد ذلك تأتي مرحلة العزل بتصوير محيطها (أهل، أصدقاء) كأشخاص رجعيين لا يفهمون سمو فكرها، ليتقلص عالمها حوله هو فقط. ثم يأتي "رد الجميل": بعد كل ما فعله من أجلها من تعريفات وإرشاد، كيف يمكنها حرمانه من هذا الشيء الصغير؟ هذه المحادثة الواحدة؟ هذا اللقاء الخاص؟ وأخيراً "إلقاء اللوم": هي من أساءت الفهم، هي حساسة جداً، هي ليست مستنيرة ومتحررة كما ظن.

ميثاق النجاة: حدود تحمي الحياة الإبداعية

إلى كل امرأة شابة تدخل وسطاً فكرياً أو إبداعياً، إليكِ هذه الكبسولة السريعة، فثمة حدود تستحق أن تحمليها معك:

أولاً: افصلي الإعجاب عن الثقة. قدسي النص، ولا تقدسي الكاتب. الثقة تُبنى بالأفعال المتسقة مع الزمن، لا بجودة الصياغة اللغوية.

ثانياً: راقبي التعامل مع كلمة "لا". من يحترم الحدود سيحترم رفضك، ومن يراكِ هدفاً سيحاول التلاعب بكِ لتغيير رأيك.

ثالثاً: احفظي مساحتك الشخصية. صدماتك ومخاوفك العميقة ليست مادة للنقاش السريع. الحميمية المتسارعة غالباً ما تكون فخاً.

رابعاً: ثقي بجسدك قبل عقلك. عقلك قد يختلق الأعذار لمكانته، لكن جسدك يعرف متى يكون هناك خطأ. تلك "الغصة" في الحلق هي إنذارك الصادق.

في النهاية: الثقافة ما نمارسه

هذه ليست دعوة لكراهية الرجال، فالمشهد يزدهر بالشرفاء، لكنها دعوة لرفض دور النعامة. فمقياس رقي المجتمع الأدبي ليس في عدد الجوائز التي يحصدها، بل في مدى الأمان والكرامة التي يوفرها لأفراده. المثقفون الحقيقيون هم من تتطابق أفعالهم مع أقوالهم، وإنسانيتهم مع كتاباتهم. الثقافة الحقيقية لا تستغل، بل تحرر. ولن نكون أحراراً حقاً طالما نغلق أعيننا عن الذئاب التي تعبث في "ممرات التنوير". هنا يبرز سؤال مؤلم: كم امرأة دفعت ثمناً باهظاً لهذا الخلط بين التحرر والاستغلال؟

---

الهوامش:

(١) أروى صالح، المبتسرون، دار النهر للنشر والتوزيع، القاهرة، 1996، ص 87، 91.

(٢) كاري إل. لوكاس، خطايا تحرير المرأة، ترجمة وائل الهلاوي، دار سطور الجديدة، القاهرة، 2010، ص 43.

مساحة إعلانية