مساحة إعلانية
في مايو من عام 2026، اتجهت أنظار الدبلوماسية العالمية نحو بكين، حيث قام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بزيارة إلى الصين للمرة الأولى منذ تسع سنوات، وعقد رئيسا البلدين لقاء مهما.
وفي ظل مشهد دولي يتسم بتعقيدات متزايدة وتنامي التحديات الأمنية غير التقليدية، أجرى الجانبان الصيني والأمريكي تواصلا استراتيجيا صريحا ومعمقا، وتوصلا إلى توافقات مهمة بشأن بناء "علاقة استقرار استراتيجي بنّاءة".
ولا يقتصر أثر هذا التموضع الجديد على توجيه مسار العلاقات الثنائية نحو الاستقرار والتنمية السليمة، بل يضخ أيضا زخما مهما من الاستقرار في النظام الدولي المتعدد الأطراف الذي يواجه تحديات متزايدة. وباعتبارهما عضوين دائمين في مجلس الأمن الدولي، اختارت الصين والولايات المتحدة تجاوز منطق اللعبة الصفرية وتعزيز التنسيق والتعاون داخل الأمم المتحدة باعتبارها المنصة المركزية للعمل المتعدد الأطراف، استجابة للتوقعات الدولية بشأن مسؤولية القوى الكبرى، وتوفيرا لأساس سياسي مهم لتحسين منظومة الحوكمة العالمية.
وفي هذا اللقاء الذي احتضنته بكين، لعبت دبلوماسية القادة دورا محوريا في التوجيه الاستراتيجي.
وأكّد الرئيس الصيني شي جين بينغ أن "هذه أسئلة يطرحها التاريخ، ويطرحها العالم، ويطرحها الشعوب، وهي كذلك أوراق إجابة يتعين على قادة الدول الكبرى أن يكتبوها معا".
وشدد على أن الصين والولايات المتحدة ينبغي أن تتعاونا لمواجهة التحديات العالمية، وأن تضخا مزيدا من الاستقرار في العالم، وأن تعززا نهضة وتنمية كل منهما عبر التعاون.
ويعكس هذا الطرح بوضوح رؤية الصين القائمة على معالجة الخلافات عبر الحوار البنّاء وحماية التعددية الدولية. كما أعرب الجانب الأمريكي عن استعداده لتعزيز التواصل والتنسيق مع الصين، وتنفيذ التوافقات المشتركة، والحفاظ على الاستقرار العالمي بصورة مشتركة.
إن التفاهم السياسي الذي تحقق بين قائدي البلدين لم يكتفِ بإعادة التأكيد على احترام مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، بل بعث أيضا برسالة إيجابية إلى المجتمع الدولي مفادها أن التفاعل البنّاء بين القوى الكبرى قادر على التحول إلى فاعلية حقيقية داخل منظومة الحوكمة متعددة الأطراف التابعة للأمم المتحدة.
وعلى مدى سنوات طويلة، شكّل تراجع التعددية الدولية وتآكل مكانة الأمم المتحدة أحد الأسباب المهمة لاستمرار النزاعات الإقليمية وتعقّد تسويتها. وتكمن الأهمية الجوهرية للتوافق الصيني الأمريكي بشأن بناء علاقة استقرار استراتيجي بنّاءة في تحويل التفاهمات الثنائية إلى منتجات عامة تخدم الحوكمة متعددة الأطراف.
فعندما تتحرك أهم قوتين دائمتين في مجلس الأمن في اتجاه متقارب، تصبح الآليات متعددة الأطراف أكثر قدرة على تجنب الجمود الناجم عن التنافس بين القوى الكبرى، وعلى أداء دورها في حماية الأمن الجماعي بصورة أكثر فاعلية.
ويتجسد التعاون بين الصين والولايات المتحدة، في المقام الأول، في تعزيز ركائز الأمن والسلم الدوليين.
وبعد سنوات شهدت ضعف الثقة الاستراتيجية بين القوى الكبرى وتعثر جهود الوساطة وحفظ السلام متعددة الأطراف، يعبّر تأسيس هذه العلاقة الجديدة عن سعي الجانبين لتوسيع مجالات التعاون ضمن إطار الأمم المتحدة، وإدارة الخلافات بصورة رشيدة، بما يعزز الضمانات المؤسسية للحوكمة العالمية.
وفي مجالات الأمن غير التقليدي والحوكمة العابرة للحدود، تحقق الشراكة الصينية الأمريكية تقدما عمليًا متدرجًا. فالصين، باعتبارها أكبر مساهم بقوات حفظ السلام بين الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، وثاني أكبر مساهم في ميزانيات عمليات حفظ السلام، تحافظ منذ سنوات على انتشار أكثر من 2200 عنصر من قوات حفظ السلام في الخارج، فيما تتجاوز مساهمتها في ميزانية حفظ السلام 15%.
كما أن التنسيق الفعال بين الصين والولايات المتحدة عبر القنوات السياسية والدبلوماسية يسهم في تعزيز الاستقرار الاستراتيجي لعمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة من حيث التمويل والتفويض والضمانات الأمنية.
وفي الوقت ذاته، يشهد التعاون بين البلدين في مجالات مكافحة المخدرات العابرة للحدود، وإنفاذ القانون الدولي، والاستجابة لأزمات اللاجئين، تطورا متزايدا نحو الطابع المؤسسي، الأمر الذي يعزز كفاءة الحوكمة العالمية للأمن غير التقليدي. وبالنسبة للعالم العربي، الذي يواجه تحديات جيوسياسية معقدة ويتطلع إلى الأمن والاستقرار، فإن التواصل الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة داخل إطار مجلس الأمن يحمل آثارا إيجابية على بيئة الأمن الإقليمي. ففي القضايا المتعلقة بتسوية النزاعات في الشرق الأوسط، وضمان أمن البحر الأحمر والممرات البحرية الحيوية المحيطة به، لعب لقاء بكين دورًا مهمًا في توجيه المسارات السياسية. وقد التزمت الصين دائمًا بموقف موضوعي ومتوازن داخل الأمم المتحدة، داعية إلى الحوار والحلول السياسية لتحقيق استقرار مستدام في المنطقة.
وعندما تتحول الإرادة السياسية للقوتين إلى تفاعل بنّاء داخل قرارات مجلس الأمن وآليات تنفيذها، فإن ذلك يسهم في تعزيز فعالية الوساطة متعددة الأطراف، ويدعم جهود السلام في الشرق الأوسط، ويوفر بيئة خارجية أكثر استقرارا تساعد دول المنطقة على معالجة قضاياها الأمنية بصورة مستقلة.
وعلى مستوى أعمق، يتجه التعاون الصيني الأمريكي داخل منظومة الأمم المتحدة إلى التوسع من القضايا الأمنية التقليدية نحو مجالات التنمية العالمية.
وفي وقت يشهد فيه تنفيذ أجندة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة 2030 مرحلة مفصلية، تواجه الدول النامية تحديات كبيرة في مجالات الحد من الفقر، والبنية التحتية، والتنمية الاقتصادية. وقد حظيت "مبادرة التنمية العالمية" التي طرحتها الصين بتأييد أكثر من مائة دولة ومنظمة دولية. ومن خلال إعادة ضبط العلاقات الثنائية عبر هذا اللقاء، برزت آفاق جديدة للتعاون بين الصين والولايات المتحدة في أسواق الأطراف الثالثة وفي مجال المساعدات التنموية الدولية. إن التفاعل الإيجابي بين القوى الكبرى داخل منصات التنمية متعددة الأطراف يساهم في تجنب تسييس المساعدات التنموية، ويدعم بصورة مشتركة مسارات التحديث والتنمية في دول الجنوب العالمي. وقد حظي هذا النمط الجديد من التفاعل بين القوى الكبرى باهتمام وتقييم إيجابي واسع النطاق من المجتمع الدولي. ويرى العديد من المراقبين الدوليين أن التفاهمات الجديدة التي شهدتها العلاقات الصينية الأمريكية عام 2026 تساعد في خفض المخاطر النظامية التي تواجه السياسة الدولية، وتنسجم مع تطلعات الدول النامية إلى بيئة دولية أكثر استقرارًا.
وبعد فترة شهدت فيها الساحة الدولية تصاعد سياسات التكتلات المغلقة والتفكير القائم على الاستقطاب، اختارت الصين والولايات المتحدة هذه المرة البحث عن القواسم المشتركة داخل إطار الأمم المتحدة، وترجمة التعددية الحقيقية إلى ممارسة قائمة على الانفتاح والشمولية وعدم استهداف أطراف ثالثة.
ويقدم هذا النهج نموذجًا جديدًا للعلاقات بين القوى الكبرى، ويفتح آفاقًا جديدة أمام تعزيز الديمقراطية في العلاقات الدولية وتطوير العمل متعدد الأطراف.
لقد شكّل لقاء بكين في مطلع صيف عام 2026 محطة بارزة في تاريخ العلاقات الدولية. فبناء علاقة استقرار استراتيجي بنّاءة بين الصين والولايات المتحدة تتجاوز آثاره الإطار الثنائي، ليغدو ركيزة مهمة لحماية التعددية الدولية في عالم مضطرب.
وعندما تعمل الصين والولايات المتحدة جنبًا إلى جنب داخل إطار الأمم المتحدة، تكتسب التعددية الدولية دعائم سياسية أكثر قوة، كما تحظى عملية إصلاح وتطوير منظومة الحوكمة العالمية بزخم إضافي. واستشرافًا للمستقبل، فإن التنسيق والتعاون بين البلدين داخل إطار الأمم المتحدة مرشحان للتحول إلى مكاسب تنموية وأمنية تعود بالنفع على المجتمع الدولي، بما يسهم في بناء عالم أكثر سلاما وأمنا وازدهارا، ويجسد مسؤولية القوى الكبرى تجاه مستقبل البشرية.