مساحة إعلانية
بقلم: زينب طارق - العراق
يصل رجلُ القبو، كما صوّره دوستويفسكي، إلى العشاء قبل الجميع بساعة، فيجلس وحيدًا في قاعة فارغة، يعدّ الدقائق ويراقب النُّدُل. لم يكن مدعوًّا بالمعنى الدقيق، فقد فرض نفسه على زملاء دراسة قدامى يودّعون أحدهم، فقبلوه على كُره. وحين يتوافدون يتجاهلونه بأدبٍ جارح، فيقضي السهرة يستفزّهم ويسخر منهم ويتحدّاهم، وهو لا يطلب إلا شيئًا واحدًا لا يجرؤ على تسميته: أن يُنظر إليه.
هذا المشهد من «رسائل من تحت الأرض» (1864) من أبلغ ما صوّر فكرةً تُنسب إلى دوستويفسكي: أن الإخفاق يفاقم غرور التافهين، وأن نجاح الآخرين يُثير سمومهم.
نتوقع من الهزيمة أن تكون معلّمة، وأن يورث الفشلُ تواضعًا ومراجعة. لكن رجل القبو، وهو موظف صغير سابق يفتتح اعترافه بأنه رجل مريض وشرير، يبرهن على العكس. كل إخفاق يضيف طبقةً إلى غروره، ولا يرتدّ إليه سؤالًا عن نفسه.
وسرّ ذلك أن هذا الغرور لا يستند إلى إنجاز. هو دعوى بلا رصيد، فيحتاج إلى حراسة دائمة: درعٌ تحمي صاحبها من أن ترى حقيقتها. وكلما تكرّر الإذلال سَمُكت الدرع، وتضخّمت معها الأثرة حتى تصير المحرّك الأوحد للسلوك.
غير أن الدرع لا تبقى دفاعًا، بل تصير سلاحًا. فالرجل لا يكتفي بالانعزال في قبوه، بل يخرج إلى العالم عدائيًّا، ويستبق الإهانة بإهانة. وهنا يأتي الشطر الثاني من العبارة: نجاح الآخرين يثير سمومهم. والسمّ استعارة دقيقة لشيء لا يُصنع عن قصد، بل يُنضَح من الداخل.
ولماذا يستفزّ نجاحُ الغير هذه النفس تحديدًا؟ لأنه يعمل عندها عمل المرآة. وهذه قراءتنا نحن لا نصّ الكاتب، وإن كان سلوك الراوي يسندها. من يرى الآخر ناجحًا يرى معه، رغمًا عنه، المسافة التي تفصله عن نفسه. والاعتراف بها يهدم الدرع، فيختار تحطيم المرآة: يشوّه النجاح، ويقزّم صاحبه، ويفتّش في استحقاقه عن ثغرة.
هذه الآلية هي ما سمّاه نيتشه «الضغينة» (ressentiment) في «جنيالوجيا الأخلاق»: قوم عاجزون عن الفعل يعوّضون العجز بتحويل القيم، فما لا يستطيعونه يسمّونه رذيلة، وما يستطيعه غيرهم يسمّونه غرورًا أو ظلمًا. والمفارقة أن نيتشه اكتشف «رسائل من تحت الأرض» في ترجمة فرنسية سنة 1887، وقال في «أفول الأصنام» إن دوستويفسكي عالم النفس الوحيد الذي تعلّم منه شيئًا.
لكن في قراءة دوستويفسكي ما لا يتّسع له تحليل نيتشه. فرجل القبو لا يجهل ما يفعل. يرى بوضوح قاسٍ أنه يضرّ نفسه، ويعرف أن غروره كذبة، ثم يمضي. والتفاهة التي يصوّرها ليست غباءً ولا قلّة موهبة، فهذه لا عيب فيها. هي أن ترى الحقيقة ثم تؤثر عليها وهمًا يحميك منها.
وفي آخر السهرة ينصرف الآخرون إلى لهوهم تاركينه، فيلحق بهم فلا يجدهم. كان قد جاء يطلب أن يُرى، فجعل من نفسه أبشع ما يمكن أن يُرى. وسمّه الذي أعدّه لهم لا يصيبهم، فيقع على أول من تقع عليه يده: فتاةٌ جاءته بالرحمة، فردّها بالقسوة. وهكذا يُغلق السمّ دائرته: يبدأ من حاجةٍ إلى الاعتراف، وينتهي بأن يطرد من عرض عليه الاعتراف.