مساحة إعلانية
أطال النظر إلى مرآته يفتش عن روحه بين زوايا عينيه , يشعر بالضيق منها لا يدري كيف، يشعر بنفورها وهي مرغمة على مصاحبة جسده، يتمنى لو يفصل بين الاثنين، يريح الجسد من تلك الروح التى تصر على الشكوى ليل نهار من أوجاع الغربة، تتحدث عن الوحدة، تتألم من الفقد كأنما ليس في الكون من ذاق هذا سواها، لابد من الفصل .
استعطف روحه أن تخرج من بدنه ، تريح هذا الجسد الذي يتحمل دون كلل أقدام الحياة، التى تطأه بلا إحساس حتى بما يعانيه ، راح يتعقب أنفاسه الشاحبة مستدرًا عطفها ، لم تستجب لشلال الدمع في عينيه ، ساءل نفسه من الذي يذرف الدموع الآن الروح الشاكية أم الجسد الذي يعاني الوطء؟ تذكر قول المعري :
"إِذا كُنتُ قَد جاوَزتُ خَمسينَ حِجَّةً
وَلَم أَلقَ خَيراً فَالمَنِيَّةُ لي سِترُ
وَما تَوَقّى وَالخُطوبُ كَثيرَةٌ
مِنَ الدَهرِ إِلّا أَن يَحِلَّ بِيَ الهِترُ"
فكر مليًا قائلًا لنفسه ، لو كان بمقدرة الجسد أن يسكن بعض آلام الروح لكان لوجوده ضرورة، فهو بليد يتحمل شكوى الروح ويصر على جلادته وصمته .
أدار عينيه في الغرفة التي يسكنها، رأى الظلمة تحيط بجدرانها ،لا أثر لضوء ينبعث من النافذة ، أصر على طلب الفصل، فكر في تجربة قد تكون ذات قيمة لهذا الفصل ، كتب على صفحته الفيسبوكية ..
"إنا لله وإنا إليه راجعون
صلاح ابن الحاج مصطفي في ذمة الله
نسال الله له الرحمة والغفران
نعتذر عن العزاء نظرًا لجائحة كورونا التي يمر بها العالم".
سخر من نفسه بعد أن كتب الجملة الأخيرة ، قال في نفسه من سيقرأ منشورك سيفتح فمه حتى أذنيه ضاحكًا من عبارتك الأخيرة (نعتذر عن العزاء ) أو سينفث دخان العبرات والآهات من ألمه وحسرته عليك.. فأولادك الذين يحملون اسمك سبقوك إلى الموت مرحبين به على أن يتركوا أوطانهم متخاذلين،.
يموت الشجعان مرة واحدة أما أنت فتموت مرات ومرات ، لولا هذه الصخرة الصماء اللعينة التي اختبأت تحتها - يومها - من هول الجحيم الذي فتح فاه ملتهما كل ما يقابله من بشر وحجر ومباني، وحتى الأرض القاحلة لم يرحمها ، لولا تلك الصخرة ماكنت نجوت من الموت، تجول داخل ذاكرته، حدث مشاعره ووجدانه عن النيران التي اشتعلت في وطنه، عن لهيبها الذي طال أبنائه ، قالت مشاعره :
"ليس من حقك أن تحزن ، النيران رغم عنفوانها ديمقراطية لا تفرق بين رجل وامرأة أو شيخ وطفل ،كلهم لديها سواء"
أشاح بيده مقطب الروح والجبين معًا ..أين أهله وأقربائه لا يعلم عنهم شيئًا ، فرقتهم الحرب في أصقاع الأرض.
عاد من شروده :
- الحياة ليست معناها هذا النفس الذي يدخل ويخرج إلى صدري فأنا أموت كل يوم مئة مرة رغم الشهيق والزفير الذين يدلان على انى حي، لقد توقفت الحياة في روحي عن النبض منذ فارقتهم.
.......................
قرأ الرفاق المنشور .. خلال وقت قصير اجتمعوا حول بابه , قال أحدهم والتأثر باد على وجهه :
- اكسروا قفل الباب، لن يفتح لنا أحد ،يعيش وحيدا هنا.
قال آخر وهو يدفع الهواء الخانق عنه:
رحمة الله عليك يا صلاح، كلنا مذنبون في حقك، لم نحتضن روحك بكل ما كانت تحمله من شقاء.
وشهق بالبكاء
سمع صلاح أصواتهم المكلومة .. دكت عروقه برودة اخترقت نبضات قلبه، شعر للحظة بانتصاره المبهر فقد استطاع أخيرًا الفصل بين الاثنين، حدق في ظلام أيامه غير آسف على حياته، شد اللحاف الفاني فوق رأسه ومات.