مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

قصة قصيرة : حِداد على أبي الحَداد ... بقلم أحمد النحاس

2026-05-05 11:50 PM  - 
قصة قصيرة : حِداد على أبي الحَداد ... بقلم أحمد النحاس
أحمد النحاص

 أمعنت التغزل في قدّها الوافر، بعدها راحت تقول بأن لها مشية توشكُ أن تخلع قلوب الناظرين، وأن محاسِنها لا تنقضي على الوجه وحسب، ثُمَ راحت تتحسسُ بيديها أطرافها، وتتأوه بأنفاسٍ يَكسوها الشبق والعوزة إلى مُمارسة الجنس.

فجأة تفزع مسامعها تلك الأصوات التي تصدرت خِلوتها الممجوجة باللين والتأمل في تفاصيل الجسد الممشوق.

 "بقولك افتحي الباب وإلا هكسرُه عليكي"!

تصرخ من فورها وتدُب بيدها على ثديها.. جوزي؟!

وعلى عجلة راحت تتحرر مِن صبغتها التي طلت بها شفاهها وشدقيها والوجنتين،

وتُخفي جسدها الصارخ بعد أن كانت تتغزل فيه مُنذ هنيهة بعباءة مُهلهلة، قبل أن تتقنع برداءات الشكوى واستجداءات العطف.

- حاضر هفتحلك أهوه .. قالت.

نجحت بالفعل في إخفاء كل شيء عدا ملامح وجهها ذاك الذي كان يحمل هم رؤيا الزوج، وهو ما فطن إليه الأخير.

الزوج: سنة عشان تفتحيلي الباب، انتِ معاكِ حد هنا ولا إيه؟!

الزوجة في ارتجاف: حد مين بس دانا قاعدة لواحدي حتى شوف بنفسك؟!

فواجهها الزوج بما سَمعهُ من سُمعة سيئة طالتهُ في غُربته، بعد أن أخبره كُثر بأن

"مراته ماشية على حَلّ شَعرها "!

وهو ما أنكرتهُ الزوجة بشدة، غير أن شيئا ما بداخلها يُعنفُها!

حاولت أن تهرب من تلك الاِتهامات فأقسمت مِرارًا بالكذب، حتى صدقها ببراءة، ولكنها سُرعان ما عادت واستهوت ذلك النزق الطفولي "كما أسمتهُ"، وعادت فخانت مرةً أُخرى!

***

كانت كثيرة الجلوس مع صديقتها حنان، تلك الأخيرة التي كان تُعنفها فيما تعمل،  وتحفزها على الاعتدال .

حنان: مش انتي بتحبي جوزك؟!

- طبعًا مَحبوش ليه؟! بحبوا .. آه بحبوا.

ثم عدلت جسدها اليافع، وراحت تُضفر شعرها المُنسدل خلفها كالستار، وتسير ببطء شديد، وتقول دون أن تُحدث صوتًا:

بالطبع كان يسكُنُ داخلي، كما أني كنت أفرش قلبي بداخله.

ولكني كُنت أتودد إليه وأنا أعي أنه كالعملة المعدنية إذا ما ضاعت تلّقفها الغير وأصبح مصيرها اللاعودة .

 نعم كنت دائمًا ما أجود عليه بطلة سخية ووجه بشوش على الرغم من إحساسه الذي يشبه الموت، وتعاملاته التي جعلتني أنفر منه، فلا مراء من أنه تغير، ومعه تغيرت أنا، وأصبحنا نعيش كالغرباء!

فحدجتها حنان: انتي لسه بتحبي مُحسن؟!

فانتفضت من هيامها وسرحانها: خلاص بقا مَلوش لازمة الكلام ده يا حنان.

حنان: بصي بقا انتي ست متجوزة، يعني صوني نفسك، ولاَّ حابة تعيشي عِيشة أبوكي؟!

- متفكرنيش!

 بعدها أسهبت دون توقف "

كُنت في عُمر صغيٍر حينما كان أبي يعمل حدّادًا في إحدى المُقاطعات اﻷوربية رغم أنه من دولة عربية، وتعرف على سيدة من هؤلاء اللاتي يتحسسن مواضع اللذة، ويبحثن بداخلهن عن انتعاشة الجنة ونقطة الخلود.

استباحتهُ تلك المرأة بمالها، فاقترف منها جسدها، وأنفق ما تملكه على عقله حتى لا يصحو مما هو فيه!

تأخذ نفسًا عميقًا يجلجل جسدها البض قبل أن تعود وتُكمل حديثها:

كان أبي دائمًا ما يقسم على أن الدنيا كلها تتموضع بين فخذي المرأة .

أنظر إليه ممتعضة، فيضحك بوجه يخلو من الحياء، ويتلوى كطائر استعراضي في مُحاولة منهُ للاستهزاء بي أو عدم الإكتراث بسنهِ الكبير.

ذكرته حينها بوالدتي (وأُم ابنته الوحيدة)، فلعن تلك اللحظات التي جمعته بها قائلاً:

 "وهي دي سِت، دي روح شريرة ولبستني إلَهي تِولع في نار جهنم" .. قال.

بكيت بشدة، ليس ﻷن من يناصبها العداء هي أمي وحسب، بل ﻷنها زوجته الحنون.

طالبته بالعودة، ورجوته بذكر محاسن موتانا، فأغلق فمه عن مُحادثتي، وطالبني بنسيانه والبُعد عنه، فأعلنت الحِداد على أبي الحَداد، وأفسحت المجال لعيني مرة أخيرة ليس لرؤياه، ولكن للبكاء عليه!

وها هو الأن بعد أن غادرته تلك الفكرة التي تقول بأن عليه الوصول سريعًا إلى تلك المنطقة التي يختبئ فيها قلبي خلف نسيج من جلد، فلا يظهر إلا بالصوت ولا يتحركُ إلا للنبض، يغيب قبل أن يُدرك المعنى، ويغيب معه حفيف الأشجار الذي كان يُداعب مُقلتي كل صباح.

***

أما عن أمي فأتذكرها وقد تشحمَ جسدها بالسواد وأقسمت على أنها دائمًا ما كانت تُفغر فاه أبي بالابتسامة، وتُجبر خاطره الذي تجاهلهُ الآخرون، وأبدًا ما تسببت في أي تأفف له مِنها طيلة ثلاثين عامًا قضياها معًا، دون أن تغضبه أو تتسبب له في أيةِ أحزان، إلا أنه الموت الذي يفتكُ بتلك اللحظات السعيدة وحده الذي اقتلعها من بيننا وأخذ منها عُمرًا كانت تظنه مديدًا، دون أن يترك لها أثرًا في ولد يأخُذ شكل أبيه!

 هكذا كانت تُحبه، وهكذا كان يكرهُها، وهكذا لا أهوى معاملة زوجي بحنو، حتى لا يعاملني بقسوة، كما لا أقوى على حفظه في غيابه فيخونني أمام عينيَّ، كما كان يفعل أبي مع أمي!

 

مساحة إعلانية