مساحة إعلانية
وقفتُ أترقب قدومَها, عاودَتني الذكريات, كنا نلتقي في نفس المكان الذي جلسنا فيه معًا منذ عدة سنوات نخطط ونرسم مستقبلنا, كم جَمعتنا أحلامنا! مِن بعيدٍ رأيتها تعدو نحوي، دقات قلبِها تسابق خطواتها, كان هذا اللقاء الأول معها منذ عودتي, وقد قررتُ أن أضع النقاط فوق الحروف، وأجِد حلا لِما نحن فيه .. أقبلتْ إليّ .. تقدمتُ إليها، قلت لها مباغتًا:
-لا بدّ من إيجاد حلٍ مناسبٍ يكون فيه راحتنا معًا .
قالت:
-وما هو؟
-كما تعلمين، وجدت وظيفة مناسبة بالقاهرة، واستطعت الحصول على شقة أقوم بتجهيزها، وأتمنى أن تشاركيني حياتي .
سَكتت قليلًا ثم قالت:
-أكثر ما تمنيت كان حجرة تجمعنا هنا، وليست شقة بعيدة.
-معنى ذلك أنك ترفضين الذهاب والبقاء معي؟!
-لا تخلط الأمور ..أرفض الذهاب، ولا أرفض البقاء .
-مكاني هناك، وتكونين معي.
-أكون معك هنا .
-وما المشكلة إذَن؟
صمتت كثيرًا .. خرقتُ جدار الصمت وكررت لها سؤالي:
-وما المشكلة إذَن؟
تنهَدت:
-مشكلة واحدة .. قُل مشاكل جمّة.
أومأتْ برأسها .. أشارت بيدها .. أدركتُ أخيرًا أن هناك مشاكل كثيرة حدثت لها أثناء فترة غيابي عنها، استفسرتُ منها عما حدث لها خلال هذه المدة الطويلة، نظرتْ إليّ بحسرة, لمحت دمعةً ذرفتها عينها وسالت على خدِّها:
-الذي لا تعرفه عني هو مرض والدي ..إخوتي الصغار ورعايتي لهم بعد وفاة والدتي .. هل أتركهم وأذهب معك؟
قلت في أسىً:
-وما العمل إذَن؟
-ابقَ فترةً هنا معي؛ ربما تتحسن الظروف، لكن فكرة السفر إلى القاهرة مرفوضة تمامًا!
-وجودي هنا مرفوض أيضًا .
-لم يعد لديّ أي اقتراح ..الفكرتان مرفوضتان وأفضّل ...
قاطعتها:
-ماذا تفضّلين؟
أجابت بحسرةٍ شديدة:
-الابتعاد ..الانفصال!
أجبت وأنا في حيْرةٍ من أمري:
-هذا قرارك الأخير؟!
سكتت برهة، وردّت بحزن:
-ليس قراري ولا قرارك، الظروف هي التي وضعتنا كذلك، ولم تعد تسمح لنا
كان عليّ أن أخضع للأمر الواقع, لم يعد أمامي أي شيء أفعله .. مدت يدها لتصافحني .. حاولت أن أمنع يدي, كنت أدرِك معنى مد يدي، ؛إنه الوداع!