مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

"فَلَوْلَا نَفَر"َكيف ترسم آية واحدة مشروع الأمة في العلم والعودة والإصلاح؟

2026-07-25 01:20 PM  - 
"فَلَوْلَا نَفَر"َكيف ترسم آية واحدة مشروع الأمة في العلم والعودة والإصلاح؟
زبير سلطان ربّاني

قراءة مقاصدية في منهج الاستخلاف

بقلم: د. زُبير سُلطان رَبَّاني
كاتب في الفكر وقضايا الإنسان والهوية والتحولات الحضارية


تختزن آية ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122] مشروعًا ربانيًا متكاملًا لبناء الأمة؛ إذ تنتظم ألفاظها في نسقٍ محكم يبدأ بتحريك الإرادة، ويمضي بتنظيم الكفايات، وصناعة البصيرة، ثم يبلغ غايته بعودة العلم إلى مجتمعه هدايةً وإصلاحًا وحصانةً. وتكشف الآية أن النفير حركة، والطائفة تنظيم، والتفقه إعداد، والرجوع أمانة، والإنذار وظيفة، والحذر ثمرة؛ فتتآزر هذه المراحل في إعداد الإنسان، وبناء المجتمع، وصيانة هوية الأمة. ومن هنا تتجاوز دلالتها تقرير فرض الكفاية إلى تأسيس رؤية قرآنية متماسكة تصل العلم بالرسالة، والكفاءة بالمسؤولية، والمعرفة بالإصلاح، حتى تتكامل أسباب النهوض في ضوء هداية الوحي. وتأتي هذه القراءة؛ لتكشف كيف رسمت آية واحدة، في إيجازها المعجز وترتيبها البديع، معالم مشروع الأمة في الحركة، والتكوين، والعودة، والإصلاح، وصناعة الوعي، واستئناف الشهود الحضاري.
(أولًا): نداء الحركة وبعث الهمم
﴿فَلَوْلَا نَفَرَ﴾
يفتتح الوحي هذا البناء الرباني بكلمةٍ توقظ الإرادة، وتبعث العزائم، وتفتح للأمة أول أبواب النهوض؛ فجاء قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ﴾ إعلانًا بأن الطريق إلى حمل الرسالة يبدأ باستجابة صادقة لأمر الله، وعزمٍ يترجم الإيمان إلى عمل، والنية إلى سعي، والقدرة إلى بذل. فالنفير في الخطاب القرآني حركةٌ تنطلق من الامتثال، وتتجه إلى أداء التكليف، وتتهيأ لحمل الأمانة التي أناطها الله بهذه الأمة.
وجاء النفير في القرآن مقترنًا بالمبادرة وتحمل المسؤولية، قال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: 41]؛ فغرس في النفوس روح المسارعة إلى طاعة الله، وربّى المؤمن على البذل والثبات، وربط قيمة الحركة بصدق العبودية، حتى يغدو الامتثال منهجًا، والمسؤولية خلقًا، والعطاء سبيلًا إلى مرضاة الله.
وتكشف الآية بذلك عن السنة الأولى في بناء الأمم؛ إذ تبدأ بإحياء الإرادة المؤمنة، ثم تدفعها إلى حركة واعية تتجه نحو المقصد الذي رسمه الوحي، فتنبعث الطاقات، وتتهيأ النفوس، وتستجمع الأمة أسباب القيام برسالتها، في إطار من الإخلاص، والانضباط، واستشعار عظم الأمانة.

(ثانيًا): حكمة التكامل وتوزيع الكفايات
﴿مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾
بعد أن أيقظ الوحي إرادة الحركة، انتقل إلى إحكام مسارها؛ فجاء قوله تعالى: ﴿مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ ليقرر سنةً ربانية في بناء الأمة، قوامها توزيع الكفايات، وتكامل المسؤوليات، وتوجيه الطاقات إلى مواضعها؛ حتى يؤدي كل فريق ما أقامه الله له، فتنتظم شؤون الأمة، وتتساند وظائفها، ويقوم بنيانها على التعاون والتوازن.
وقد دلَّت الآية، كما بين المفسرون، على أصل فرض الكفاية؛ إذ لا يستقيم أمر الأمة إلا بقيام طائفة بما تحتاج إليه من الواجبات العامة، مع استمرار سائر الطوائف في أداء ما أُنيط بها من مصالح الدين والدنيا. وبهذا يتحقق التوازن الذي تقيمه الشريعة، فتتوزع الأمانات، وتتآزر الجهود، وتستمر حياة الأمة في أداء رسالتها دون اضطراب أو خلل.
ومن هذا الأصل تنبثق دلالة حضارية واسعة؛ فالأمة التي تحمل هداية الوحي تحتاج إلى تنوع الكفايات، وتكامل التخصصات، وتعدد ميادين العطاء. فهي تحتاج إلى العلماء، والدعاة، والقضاة، والمربين، كما تحتاج إلى الأطباء، والمهندسين، والاقتصاديين، والإعلاميين، وسائر أصحاب الخبرات النافعة، ويشارك في هذا البناء الرجال والنساء، والشباب والشيوخ، كلٌّ بحسب ما وهبه الله من علم، أو خبرة، أو قدرة، أو موهبة، حتى تتضافر الطاقات جميعها في خدمة الدين، وتحقيق مصالح العباد، وعمارة الأرض بمنهج الله.
وهكذا تؤسس الآية ميزانًا قرآنيًا راسخًا في بناء المجتمعات؛ إذ تجعل اختلاف المواهب سببًا للتكامل، وتنوع الكفايات سبيلًا إلى تمام البناء، فيغدو كل تخصص أمانة، وكل خبرة مسؤولية، وكل جهد لبنة في صرح الأمة، تتآلف جميعها لتحقيق مقاصد الشريعة، وإقامة الخير، وإعداد الكفايات التي تواصل مسيرة هذا المشروع الرباني.

(ثالثًا): هدف التكوين وصناعة البصيرة
﴿لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾
يكشف هذا المقطع عن الغاية التي من أجلها كان النفير؛ فالحركة التي بدأت استجابةً لأمر الله لم تُقصد لذاتها، وإنما لتبلغ غايةً أعظم، هي التفقه في الدين. فجاء قوله تعالى: ﴿لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ ليبين أن أول ما تحتاج إليه الأمة في مشروع نهضتها هو العلم الراسخ الذي يورث الفهم، ويهدي البصيرة، ويؤهل صاحبه لحمل أمانة الوحي.
ولم يقل القرآن: ليعلموا، وإنما قال: ﴿لِّيَتَفَقَّهُوا﴾؛ لأن التفقه أخص من مجرد تحصيل المعرفة، فهو فهمٌ نافذ لمراد الله، وإدراكٌ لحكمته، وبصيرةٌ بمقاصد شريعته، حتى يتحول العلم إلى هداية، والمعرفة إلى وعي، والفهم إلى منهجٍ يرشد الفكر والسلوك. ومن هنا كان الفقه في الاصطلاح الشرعي فهم الأحكام الشرعية العملية المستنبطة من أدلتها التفصيلية، وهو ثمرةٌ من ثمار التفقه الذي دعا إليه القرآن.
وقد جعل القرآن الفقه علامة على حياة العقل ويقظة القلب، فقال تعالى: ﴿فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: 78]، وربط بين الفقه والهداية في مواضع متعددة، فدل ذلك على أن صلاح الإنسان يبدأ بصلاح فهمه، وأن سلامة النظر أصلٌ في سلامة العمل.
ومن هنا يغدو التفقه صناعةً للعقل المؤمن، الذي يتلقى الوحي بفهم، ويزن الوقائع بميزانه، ويهتدي بمقاصده، ويُحسن تنزيل أحكامه في مواضعها. فبه تنضج الشخصية العلمية، وتستقيم البصيرة، وتتأهل الكفاءات لحمل الرسالة، قبل أن تعود إلى الأمة بما تعلمته من هدى الله.

(رابعًا): رسالة العودة واكتمال التكليف
﴿إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾
يرسم هذا المقطع مرحلةً جديدة في المشروع القرآني؛ فبعد النفير، والتفقه، يأتي الرجوع، ليعلن أن العلم لا يكتمل أثره ببقاء صاحبه في ميدان التلقي، وإنما يكتمل حين يعود إلى أمته حاملًا ما حصّله من هداية الوحي. فجاء قوله تعالى: ﴿إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ ليجعل العودة امتدادًا للتفقه، وجزءًا من التكليف الذي خرجت الطائفة من أجله.
والرجوع في هذا السياق ليس انتقالًا مكانيًا فحسب، بل هو عودة إلى ميدان المسؤولية؛ حيث يلتقي العلم بالناس، وتتصل المعرفة بحاجاتهم، ويغدو صاحب العلم شاهدًا على واقع قومه، مدركًا لأحوالهم، قريبًا من قضاياهم، حاضرًا في توجيههم وإعانتهم على ما يصلح دينهم ودنياهم.
وفي هذا توجيه قرآني بليغ إلى أن الأمة لا تجني ثمار العلم إلا إذا عاد إليها أهلُه، يحملون بصيرة الوحي، ويؤدون حقه، ويعيشون بين الناس بخلق الرسالة وأمانة البلاغ. فالعلم الذي ينقطع عن مجتمعه يضعف أثره، أما العلم الذي يعود إلى بيئته، ويخالط حياة الناس، فيصبح قوةً للإصلاح، ومصدرًا للهداية، وسببًا في ترسيخ الإيمان واستقامة العمران.
ومن هنا تتجلى قيمة الوفاء للأمة؛ إذ يظل طالب العلم مرتبطًا بقضاياها، شريكًا في نهضتها، حاضرًا في ميادين عطائها، حتى يؤدي الأمانة التي هيأه الله لها. وبذلك تكتمل مرحلة التكوين، وتتهيأ الطائفة للقيام بالمهمة التي نصت عليها الآية في مرحلتها التالية، وهي تبليغ الناس وإنذارهم بما تعلموه من هدى الله.

(خامسًا): وظيفة الإصلاح وصناعة الوعي
﴿وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾
بعد أن عاد أهل التفقه إلى مجتمعهم، كشف القرآن عن الوظيفة التي من أجلها كان النفير، والتكوين، والرجوع، فقال تعالى: ﴿وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾. فالغاية من العلم ليست ادخاره، ولا التميز به، وإنما تبليغ هداية الله إلى الناس، حتى يبقى الوحي حاضرًا في حياتهم، ويؤدي العلم رسالته التي من أجلها شُرِّف أهله.
والإنذار في القرآن ليس مجرد التحذير من العقوبة، بل هو بلاغٌ يقوم على البيان، وإقامة الحجة، وكشف طريق الهدى، والتنبيه إلى عواقب الانحراف، حتى يختار الإنسان سبيله على بصيرة. ولهذا كانت وظيفة الأنبياء قائمة على البلاغ والإنذار، قال تعالى: ﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: 165]، وجعل سبحانه أهل العلم ورثةً لهذه المهمة في حدود ما حملوه من علم الوحي وبيانه.
ومن هنا يتحول العلم إلى رسالة حية؛ إذ يبين العالم للناس دينهم، ويوقظ ضمائرهم، ويصحح مفاهيمهم، ويرشد عقولهم، ويغرس فيهم ميزان التمييز بين الحق والباطل، والخير والشر، والهدى والضلال. وبهذا البيان تتشكل البصيرة، ويترسخ الوعي، وتحيا القيم، ويقوى ارتباط المجتمع بهداية الوحي في عقيدته، وعبادته، وأخلاقه، ومعاملاته.
وهكذا تؤسس الآية رسالة أهل العلم في كل زمان؛ فوظيفتهم البلاغ المبين، والبيان الأمين، والنصح الصادق، حتى تبقى الأمة على صلة بكتاب ربها وسنة نبيها ﷺ، ويثمر العلم هدايةً في القلوب، ورشدًا في العقول، وصلاحًا في المجتمع، تمهيدًا للغاية التي تختم بها الآية مشروعها كله، وهي أن يثمر هذا البلاغ يقظةً تحمل الناس على الحذر من أسباب الانحراف والزلل.

(سادسًا): ثمرة الحصانة واستئناف النهوض
﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾
تختم الآية مشروعها التربوي بهذه الغاية الجامعة، فتقول: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾؛ وكأن جميع المراحل السابقة لم تكن إلا سبيلًا إلى هذه الثمرة. فالنفير، والتفقه، والرجوع، والإنذار، حلقات متكاملة في بناء الإنسان، حتى يبلغ مرتبة الحذر؛ وهي الغاية التي يتحول فيها العلم إلى سلوك، والوعي إلى يقظة، والهداية إلى منهج يحكم النظر والعمل.
والحذر في القرآن ليس خوفًا مجردًا، ولا احترازًا عابرًا، وإنما هو حالة دائمة من البصيرة التي تجعل صاحبها يزن الأقوال والأعمال بميزان الوحي، فيبادر إلى الخير، ويتجنب أسباب الضلال قبل وقوعها، ويهتدي إلى سبيل الرشاد قبل أن تستحكم مسالك الانحراف. ولهذا كان الحذر ثمرةً من ثمار العلم النافع، ودليلًا على أن الهداية قد بلغت أثرها في القلب والعقل والسلوك.
وعندما تستقر هذه اليقظة في الأفراد، تتحول إلى حصانةٍ في الأمة؛ فتحفظ عقيدتها، وتصون قيمها، وتثبت هويتها، وتمنحها القدرة على مواجهة الفتن والمتغيرات بميزان الوحي، فلا تذوب أمام التحديات، ولا تنفصل عن أصولها، بل تجمع بين الثبات على المبادئ، وحسن التعامل مع مستجدات الحياة في ضوء مقاصد الشريعة.
وهكذا تنتهي الآية إلى غايتها الكبرى؛ فالمشروع الذي بدأ بنداء الحركة، وانتظم بتوزيع الكفايات، ونضج بالتفقه، واكتمل بالرجوع، وأثمر بالإنذار، ينتهي إلى صناعة أمةٍ يقظة، يحرسها العلم، وتقودها البصيرة، ويصونها الحذر، فتظل أمينة على رسالة الوحي، وقادرة على مواصلة دورها في الهداية، والإصلاح، والعمران، جيلاً بعد جيل.

(ختامًا)،
تكشف آية ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ﴾ عن مشروعٍ قرآني متكامل لبناء الأمة؛ يبدأ بتحريك الإرادة، ثم ينظم الكفايات، ويصوغ العقول بالتفقه، ويعيد الكفاءات إلى مجتمعاتها، ويجعل العلم رسالةً للإصلاح وصناعة الوعي، حتى يثمر أمةً تمتلك البصيرة والحصانة، وتؤدي رسالتها في الهداية والعمران.
ومن أبدع وجوه هذا البناء أن كل مرحلة تقود إلى التي تليها في نسقٍ محكم؛ فالنفير يهيئ للتفقه، والتفقه يؤهل للرجوع، والرجوع يحقق الإنذار، والإنذار يورث الحذر، فيتجلى القرآن وهو يبني الإنسان قبل أن يبني الحضارة، ويصنع الوعي قبل أن يصنع القوة، ويؤسس النهضة على العلم، ويجعل العلم في خدمة الرسالة.
وهكذا تؤكد هذه الآية أن نهضة الأمة ليست ثمرة جهود متفرقة، وإنما ثمرة مشروع رباني متكامل، تتصل فيه الحركة بالتكوين، والتكوين بالإصلاح، والإصلاح بالحصانة، حتى يبقى الوحي قائدًا لمسيرة الأمة، والعلم روح نهضتها، والإنسان رسالتها، والعمران ثمرتها.

مساحة إعلانية