مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

عيال السويس.. أطفال على خط النار وورثة الأسطورة .. بقلم : عبداللطيف مبارك

2026-10-26 09:15 AM  - 
عيال السويس.. أطفال على خط النار وورثة الأسطورة .. بقلم : عبداللطيف مبارك
عبد اللطيف مبارك

لم تكن العودة إلى السويس بعد حرب أكتوبر 1973 مجرد رجوعٍ إلى بيوت وأحياء سكنتها الذاكرة؛ بل كانت عودةً إلى مسرح عملياتٍ ناطقٍ، توقفت فيه المدافع للتو، لكنها تركت خلفها ألف حكاية وحكاية مكتوبة على جدران الصمت والبارود.
حين وطأت أقدامنا أرض المدينة، كنا ندرك تماماً أننا لا نعود إلى بيوت تقليدية، بل إلى حصونٍ صمدت بوجه عاصفة الفولاذ. معظم البيوت كانت مصابة بـ "دانة" طائشة أو صاروخٍ غادر، وتلك الجدران العارية لم تكن مهشمة؛ بل كانت مزدانة بندوب الشرف، وبعلامات الرصاص الكثيفة التي تحكي شراسة معارك الصمود والتصدي التي خاضها الفدائيون وأهالي السويس الأبطال جنباً إلى جنب مع قواتنا المسلحة الباسلة.


في تلك اللحظات الأولى من العودة، كان المشهد يمزق القلب ويشعل الروح فخراً في آن واحد. البيوت التي تركناها قبيل التهجير أحياءً آمنة، وجدناها وقد تحولت إلى متاحف مفتوحة للحرب. على الأعتاب، وفي الزوايا المنسية، كانت هناك تفاصيل تقشعر لها الأبدان: سترات المجندين العسكرية الملقاة هنا وهناك، ملوثة بدماء قديمة جفت ولكنها ظلت تنبض بالحكاية، شاهدة على دماءٍ سيلت فداءً لهذا التراب الطاهر.
ولم تكن الدماء وحدها هي الشاهد الوحيد، فقد ترك قصف الأيام وخلفه مخلفات مميتة: دانات ورصاصات لم تطلق بعد، مستقرة في زوايا الغرف وتحت الأنقاض، كأنها قنابل موقوتة تنتظر من يكتشف أسرارها. وفي ظل عالم الكبار الذي انشغل بإحصاء الخسائر وإعادة البناء، كان لعالمنا نحن الأطفال رأي آخر؛ عالم يحول الموت المحقق إلى لعبة شجاعة لا يجرؤ عليها سوى "عيال السويس".
لم يكن طفل السويس كأي طفل آخر في ربوع مصر؛ فقد صاغت الحرب وعيا مبكراً، وجعلت من ألعابنا مغامرة حدودها السماء والخطر. كنا نجمع بارود الذخائر المتناثرة، ونعبئه بحذر شديد داخل "علبة الورنيش الصفيح" القديمة، ثم نمد لها خيطاً رفيعاً يعمل فتيلًا.
تبدأ المغامرة حين نبتعد خلف الحوائط السميكة ونشعل الشعلة في طرف الخيط، ونراقب بترقب واشتعال قلب كيف يزحف لهيب النار تدريجياً، حتى يصل إلى علبة الورنيش الصفيح لتتحول في ثوانٍ معدودة إلى قنبلة صغيرة تصم الآذان رجتها في أزقة الحي المدمر. لم يكن ذلك عبثاً، بل كان تفريغاً لحدة الدهشة والذهول التي خلفتها الحرب في أرواحنا الصغيرة.
ولم تتوقف ألعابنا عند البارود؛ بل كنا نجمع عبوات الرصاص الفارغ، ذلك النحاس الأصفر البارد الذي تركته المعارك، لنصنع منه أشكالاً ومجسمات رمزية ببراعة أطفال يرفضون الاستسلام للموت، ويصنعون من رماد الحرب أدوات للبهجة والتعبير.


كانت شوارع السويس وميادينها في تلك الأيام تشهد على ملحمة كبرى؛ فالدبابات والآليات العسكرية المتراصة في كل أنحاء المدينة كانت تشبه التماثيل الأسطورية العملاقة. تلك الدبابات المحترقة أو المعطوبة، التي حاولت اقتحام المدينة فكسرتها سواعد أبنائها، أصبحت بالنسبة لنا نحن الصغار ملاعب ومساحات للاستكشاف ومقاعد نعتليها ونحن نتخيل بطولات الفدائيين الذين سطروا بدمائهم العزة والكرامة.
كنا نمر بجانب تلك الشواهد الفولاذية ونحن ندرك بالفطرة أننا نعيش على أرضٍ مقدسة، روتها دماء زكية، وحماها رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
إن تجربة التهجير والعودة لم تكن مجرد مرحلة عابرة في سيرة حياتنا، بل كانت البوتقة التي صاغت أرواحنا، ومنحتنا تلك القوة الخفية التي رافقتنا طوال العمر. لقد علمتنا السويس أن الحياة تولد من رحم الموت، وأن الإرادة المصرية صلبة كفولاذ دباباتها المعطوبة.


في ذكرى هذه البطولات، وفي كل ركن من أركان هذه المدينة الباسلة، نقف اليوم إجلالاً وعرفاناً.
تحياتي الخالصة لكل شهيد ضحى بدمه الطاهر في معركة النصر العظيم، وتحية إكبار لكل فدائي دافع عن السويس. بصدره العاري وبنادقه البسيطة وعزيمته التي لا تُكسر. طوبى للسويس، وطوبى لعيالها الذين نشأوا على حافة الموت فصنعوا الحياة.

مساحة إعلانية