مساحة إعلانية
تقف الكلمات عاجزة، وتنزف السطور وجعاً، حين نجد أنفسنا أمام فواجع تتجاوز حدود العقل الإنساني، وتضرب أقدس الروابط التي بنيت عليها الحياة ، كيف للكون أن يحتمل مشهدين يفيضان بالقسوة المفرطة .؟
مشهد ذاك الصديق "وليد" الذي تجرد من كل معاني الوفاء، فاغتال غدراً عائلة كاملة ؛ أباً وأماً وابنتين في عمر الزهور، محولاً دفء الأمان الأسري إلى صمت القبور بدم بارد وطمع أعمى ، وفي المقلب الآخر الأكثر إيلاماً وفظاعة ، تتجمد الدماء في العروق أمام جحود ابنةٍ انسلخت من فطرتها البشرية ، لتنهي حياة أمها التي كانت يوماً وعاءً لوجودها وسنداً لقلبها ، بل ولم تكتفِ بالقتل، بل قطعت جسدها الطاهر دون رفة جفن ، لتعلن موت أقدس غريزة وضعها الله في الأرض ، إنها صرخة شجن عاطفية تدمي القلوب ، تتمازج فيها دماء العائلة المغدورة بدموع الأم المذبوحة بيد قطعتها ؛ مأساة مزدوجة تكشف عن خريف إنساني موحش ، ماتت فيه الرحمة، وانتحر الضمير، وباتت البشرية جمعاء تبكي دماً على قيم وأرواح اغتيلت في محراب الغدر والجحود ، لم تكن هذه الجرائم مجرد أخبار عابرة تتناقلها صفحات الاثارة في الجرائد التي يطلق عليها صفراء ، بل كانت زلزالاً مدمراً ضرب الطمأنينة في عمق البيوت، وترك المجتمع يعيش حالة من الذهول والإنكار الشديد ، ساد الصمت والشجن في الشوارع، وتحولت المجالس إلى تساؤلات حائرة وخائفة ؛
كيف يمكن للأمان أن يختفي بهذه السهولة .؟
وكيف يتحول الصديق المقرب "وليد" إلى ذئب بشري يتربص بعائلة كاملة ، ويستدرج الأم وبناتها مستغلاً طيبتهن وخوفهن ؟
لقد أصيب الوجدان الجمعي بشرخ عميق، واهتزت الثقة في أقرب المقربين ، وزاد الأمر رعباً وفظاعة تلك الجريمة الأخرى التي تجاوزت حدود العقل، حيث وقفت الأمهات في ذهول تام ، يتساءلن بحرقة ، كيف لابنة أن تطعن الحضن الذي رباها، وتقطع الجسد الذي وهبها الحياة ؟
إنها يا سادة صدمة مجتمعية غطت الوجوه بالوجوم، وبات الجميع يشعر بغربة موحشة، وكأن الفطرة السوية التي عشنا عليها لقرون قد تبرأت من هؤلاء البشر، ليصبح الخوف من الغدر والجحود هماً جاثماً على القلوب ، إن هذه الفظائع تدق ناقوس خطر أخلاقي يفرض علينا مراجعة ضمائرنا ؛ فالأمر يتجاوز حدود الجريمة الجنائية ليعكس انهياراً مخيفاً في منظومة القيم وغياباً تاماً للردع النفسي والروحي لقد حذرتنا الكتب السماوية من عواقب هذا الجحود والقتل بدم بارد،
فجاء في القرآن الكريم واصفاً قسوة القلوب التي تتجاوز جمود الصخر: "ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً" (البقرة: 74)، كما شدد الله سبحانه وتعالى على أقدسية بر الوالدين وحرمة عقوقهما في قوله: "وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا" (الإسراء: 23)
وفي الكتاب المقدس، نجد تحذيراً بليغاً من زمن تنقلب فيه الفطرة ويغيب فيه الوفاء، حيث جاء في الإنجيل في رسالة تيموثاوس الثانية: "أَنَّهُ فِي الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ سَتَأْتِي أَزْمِنَةٌ صَعْبَةٌ، لأَنَّ النَّاسَ يَكُونُونَ مُحِبِّينَ لأَنْفُسِهِمْ، مُحِبِّينَ لِلْمَالِ، مُتَعَظِّمِينَ، مُسْتَكْبِرِينَ، مُجَدِّفِينَ، غَيْرَ طَائِعِينَ لِوَالِدِيهِمْ، غَيْرَ شَاكِرِينَ، دَنِسِينَ، بِلاَ حُنُوٍّ، بِلاَ رِضًى، ثَالِبِينَ، عَدِيمِي النَّزَاهَةِ، شَرِسِينَ، غَيْرَ مُحِبِّينَ لِلصَّلاَحِ، خَائِنِينَ" (2 تيموثاوس 3: 1-4)
إنها رسالة أخلاقية ملحة تدعونا لتربية النفوس على الرحمة ، ونبذ الطمع، وإعادة إحياء الوعي الديني والإنساني داخل الأسر قبل أن تبتلعنا أمواج الجحود ،
وفي ختام هذه المأساة المروعة ، ينطفئ بريق الكلمات، ولا يتبقى سوى صدى الأنين، ودموع حارقة تنهمر على أرواح رحلت غدراً وظلماً ، أي قسوة هذه التي سكنت القلوب ؟
وأي شياطين ارتدت ثياب البشر لتكتب هذه السطور الدامية في تاريخ الإنسانية ؟
تبكيكِ أيتها الأم المذبوحة بيد ابنتك، وتبكيكِ أيتها العائلة المغدورة التي وثقت في صديق خائن ،
لقد غادرت هذه الأرواح الطاهرة دنيانا، تاركة خلفها مجتمعاً كاملاً يبكي دماً، ويقف منحنياً أمام هول الفاجعة ، وبينما ننتظر عدالة الأرض لتقص من القاتل "وليد" ومن تلك الابنة الجاحدة ، نعلم يقيناً أن عدالة السماء لا تغفل ولا تنام ، نعم سينتهي الضجيج، وتُغلق المحاكم، لكن ستبقى هذه القصص جرحاً غائراً في ذاكرتنا ، وصرخة شجن أبدية تذكرنا بأننا في يوم من الأيام ، شهدنا زمناً ماتت فيه الرحمة ، وانتحر فيه الضمير، وبكت فيه الإنسانية كلها على نفسها
ولا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم