مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

سحابة صيف .. قصة محمد فيض خالد

2026-08-12 03:58 PM  - 
سحابة صيف ..  قصة محمد فيض خالد
محمد فيض خالد
إعلان بنك saib

أغمض عينيه قليلًا في شبه إغفاءة، وقد أسند رأسه المثقل بالهموم إلي جذع النخلة. غاب للحظات قبل أن يعاود النظر إلي الفضاء المشتعل أمامه؛ فمنذ وعي للحياة وهو يقضي سحابة نهاره في الغيط. كانت شمس الظهيرة في ذلك اليوم تعض بأنيابها الحداد كل شيء تصل إليه، فبدت الطبيعة مجلوة في هزال، هامدة في خضوع مذل، تمامًا كالمغشي عليه من الموت.
مرت سنون طويلة علي تلك الذكرى، انفلتت وكأنها كانت بالأمس. تثاءب الرجل في تكاسل بصوت عالٍ، وعلي ثغره ابتسامة تطوقه. عاود النظر ثانية محاولًا التخفف من لعنة الملل الرهيب، في تلك الساعة من النهار تُهجر الحقول وتتحول إلي فراغ موحش. نصحته زوجته مرارًا أن يرجع إلي البيت أوان القيلولة، فيطلق عندها ضحكة عالية خجولة قائلاً في سكينة:
. «وماذا يضر عجوزًا مثلي فرغت منه الأيام؟»:
في كل مرة يعتريه الحصر، ينعقد لسانه فيلازم الصمت، ويقتحم قلبه شعور غريب؛ تلك الروح المقهورة بالغصات يعتريها التشويش، فيضرب بخياله في كل صوب،لا تزال معلقة برأسه ذكري الأمس، فتتشنج أعصابه ولا يملك زمام نفسه..
في ذلك الصباح، بدا الجو لطيفًا علي غير العادة؛ اهتزت عيدان الذرة تحت خيوط نسيمه الرقيق، وتألق جبين الشمس في صفرة يوليو المنعشة، وغردت يمامة بنت عشها في مدخل الدار بنغم كوشوشة الأمل، ثم تقافزت هي وفراخها مهللة، واحتلت الفرحة الدروب،.
دس والده جسده الهزيل في جلبابه السكروتة، يتراقص شاربه الكث وهو يقول في ترفع:
« سنقابل اليوم جمال عبد الناصر، جاء خصيصًا لتوزيع الأرض علي الفلاحين في المديرية»
جاء رجال الثورة ليضعوا عنهم ما أثقلهم من الإصر والأغلال. لحظتها طلب من والده بصوت مرتعش أن يرافقه للقاء ناصر، لتضيء من بعدها ملامحه ابتسامةٌ، ويتراقص قلبه..
وفي المديرية، ومن جوف الصيوان الكبير المنصوب في سوق المواشي، صرخ «جمال» في كبرياء يعلن انتهاء عهد العبودية والإقطاع. لكز والده في جنبه وقد أطربه قول ناصر:
«نحن إذن وأبناء الباشا سواء،من الآن لن تصدمنا عربته، ولن تدهس مواشينا»
حاول والده أكثر من مرة الاقتراب من المنصة، صرخ والدموع تطفر من عينيه وتلاحقت أنفاسه :
.»أريد أن أسلم علي جمال! «
لكن الحرس منعه، فبقيت عيناه معلقتين بوجه الرجل الأسمر في حماس ملتهب. احتفظت والدته بعقد الأفدنة الخمسة في صندوقها الخشبي إلي جوار مصحف جده، وارتسمت علي وجهه صورة من الفرح الصبياني الساذج. يتذكر تلك الليلة التي سهرت القرية فيها حتي نبت الصبح؛ دارت كؤوس الشاي برغوتها الطيبة، وتناوب الرجال غابات الجوز، ولمعت العيون بالفرحة؛ فقد ذاقوا لأول مرة طعم الكرامة. اختفي ناظر الدائرة من الزمام بعد أن هجر مبني التفتيش، ليَهبط رجال الحكومة القرية ويشرعوا في توزيع الأراضي علي الفلاحين. ازدانت القرية بالأعلام الخضراء، وطاف الصبيان ينقرون الصفائح يتغنون بالثورة ورجالها الأوفياء.
اهتز في رجفة، وكأن كلماته تتباطأ فوق شفتيه في حشرجة مميتة، لينطق وهو علي وشك البكاء :
. «ياما التراب لمام!»
لم تنزل صورة ناصر من فوق الجدار؛ فقد رجع والده ذات يوم من البندر يحتضنها بين ذراعيه في زهو، وأوصاهم ألا تُنزع أبداً.
بعد أسابيع قليلة سيغادر حقله؛ فبعد لأْيٍ مكّنت الحكومةُ المالك، وأُلغيت قوانين الثورة، فتآكلت سنوات العمر في صمت كجرف نخره النمل. كاد الرجل يفقد رشاده بعد أن وصله إخطار الجمعية الزراعية: عليه أن يخلي الأرض ويسلمها لصاحبها! بَطُلَ مفعول العقد الذي سلمه «ناصر» لوالده، وتحول إلي ورقة هي والعدم سواء.
مع المساء يعود مهدم القوى، تمتد يده في وهن ويفتح صندوق الوالدة، يخرج العقد وغلالةٌ من ضباب الذهول تظلل عينيه. يطرق ساعة، ومن بعدها يقلب كفيه منهزمًا. تنظر إليه زوجته نظرة رقيقة من وجهها العاجي، وقد أطفأ الكدر نور السرور في عينيها شفقةً بهذا المسكين.
يبدي أسفه بتحريك رأسه والاكتفاء بالابتسام في صمت، فقد كان منظره يدل علي إهمال جريح. يظل علي حالته يهدر بالغضب، وقد امتزج فيه الحنان بالسخرية:
«وماذا تبقي للغلابة من الدنيا؟!»
انتهت به الحيرة إلي أن يولي عناية خاصة بصورة الزعيم؛ يخلع عنه شاله ويشرع في تلميعها والترحم عليه. كان الرجل قد أخذ كفايته من نبش ماضيه، ولم تفلح مواساة من حوله، ففي كل يوم تموت الشكوي في صدورهم.
وقبل اليوم الموعود بدا مرتبكًا، يوقظ زوجته مبكرًا ليقص عليها رؤيا تلازمه؛ ينطبع الامتعاض في وجهه وهو يتكلم عن وجه والده العابس، وملابسه المتسخة، وصمته الحزين، ليردد بصوت عليل :
. «عليه العوض! «
تبتسم في تلطف وهي تقدم له كوب الشاي:
. «أولادك فيهم البركة»
لكن الضياع يشتد عليه في كل يوم، وتضيق ابتسامته. بعد أيام تهدمت قواه، انكمش علي نفسه وبات يبحلق في الوجوه مصعوقًا. وقبيل استلام المالك الأرض بساعات، توقف قلبه، وخمدت أنفاسه، وغادر دنياه ونفسه تسيل حسرةً علي أرضه.
مرت السنون، وما أهون مرورها! لم تهمل الزوجة العجوز الصورة، داومت علي تلميعها ونظرات التأسي تسيل من عينيها، قبل أن تنخرط في ترداد لحن ريفي حزين. 

مساحة إعلانية