مساحة إعلانية
من عتبة البدء إلى رحابة الفكرة: دراسة نقدية لديوان طارق الجمل"ماكان..كان"
عتبة البدء: من المعنى المغلق إلى رحابة الفكرة
تبدأ حكايتنا مع ديوان الشاعر طارق الجمل من عتبة عنوانه الصارم والمشحون بالقدرية: "ما كان.. كان". إنها عبارة تُشبه إغلاق كتاب قديم؛ بِنْيَةٌ لَفْظِيَّةٌ تُسَلِّمُ بِالقَدَرِ، وتمضي بالزمن نحو نهاياته المحتومة كتحصيل حاصل ينبئ بانقضاء الأمر.
وحين يفتح القارئ البوابة، يجد نفسه أمام جغرافيا شعرية مرسومة بذكاء، تتأرجح في فضائها الدلالي بين ثنائيات ضدية لا تلتقيان: ضفة النور والندى والحرير والطفولة الحالمة، وضفة المقصلة والعتمة والكهولة والحنظل.
ويحضر الصباح والمساء، والضوء والعتمة، في مواضع كثيرة كرموز للمخاض والتحول أو الحزن؛ مثل قوله: "يأتي المساء إلى عيونك مزهرا" في مقابل "الصبح الذي يؤرقني"، و"طقوس مخاض الصبح الجديد".
تتجلى هذه الهندسة الدائرية في القصائد حيث تنتهي الأسطر من حيث بدأت، كيمامةٍ تدور في المدى، وتتضح هذه الضدية في ملامح (الشيخ والفتى)؛ حيث يتنقل الشاعر بين صوت الفتى الحالم برباعيات البراءة، وبين صوت الشيخ المعذَّب بالزمن في قصيدته "قصيدة متمردة" ("وشيخي يسافر عبر مداي"). هذا الدوران الإيقاعي البنيوي يظهر جليًا في نهاية الديوان مستدعيًا مبتدأه:
"ما كان كان ،
واليوم يبدو عابسا متعبسا
ـ إن شئت قل ـ
والليل يبدو واجفا
متوجفا " من خشية "
فلتستريح"
هذا الارتداد يُذكرنا بروح الشاعر أدونيس في بداياته التحديثية، لكن طارق الجمل لا يبتغي صدمة القارئ أو تفتيت لغته، بل يحرص على أن يأخذ بيده بلين، مغلفًا المعنى بمدٍّ لغوي هامس يريح النفس كعالم مصفى.
ملاذ الفتى: الهروب الصادق وروافد التناص:
حين نتوغل في باطن النصوص، نلمس رجفةً وجدانية مستترة؛ الشاعر هنا يعيش حالة "نكوص نفسي نبيل". أمام قسوة التجربة وعواصف الأيام، يهرب الشاعر لاواعيًا إلى منابعه الأولى، فيستدعي صورة الأم والشجرة والبيت في حكايتين قبل النوم:
"كانت أمي
تكتب فوق الصفحة :
صفصافتنا كانت تكبر كل صباح ،
تمنح صفصافات أخرى
ظلا أبيض ،
ثم تعود . . وتكبر"
وتكتمل ملامح هذا الهروب العائلي الدافئ بالالتجاء لعرق الأب في قوله:
"كانت تعشق شمس أبيك
تشرب حبات
من عرق أبيك
ثم تنام"
هذا النكوص الوجداني هو ذاته الذي عشناه قديمًا مع بدر شاكر السياب وهو يبكي قريته "جيكور" وأمه الراحلة. وبينما كان السياب يرى في الطفولة رمزًا صاخبًا للموت والولادة، يراها طارق الجمل وسادةً دافئة وملاذًا أخيرًا، يرفع فيه "الفتى" قناعًا ليحكي من خلفه وجع الأنا دون إحراج، حاملًا طيف أحلامه البسيطة ككوب القهوة باللبن:
"ويظل يحلم
باحتساء القهوة باللبن
في شرفة
تمتد من تحت الجفون
إلى الربيع"
إن هذا الملاذ الوجداني تتداخل فيه الرمزية الرومانسية الممتدة من إرث (مدرسة الديوان وأبوللو)؛ فاستخدام مفردات مثل "يمامة تسكن المدى"، وزهر البنفسج، والغدير، يعيد إلى الأذهان قصائد علي محمود طه أو إبراهيم ناجي، حيث الطبيعة مرآة لانعكاس عواطف الشاعر وصراعاته الداخلية وطريقة رمزية يغدو فيها "الموت رمزًا للبقاء" والخلود العاطفي.
ويتسع فضاء التناص عند الجمل ليتشرب من مرجعيات شتى:
التناص القرآني والديني: إذ يقتبس الشاعر بنية النص صراحة ليوظفها شعريًا في قوله: "كطي السجل تطوى صحائف أيامنا" متأثرًا بالآية {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ}. وفي "توطئة": "هز إليك بجذع القلم يساقط شعرًا" محاكاة للآية {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا}. بالإضافة للاستدعاء الوثني القديم في قوله "وقربي يغوث" للإشارة إلى الجاهلية المعنوية.
التناص الصوفي: في "قصيدة متمردة" يستعمل الشاعر تعابير صوفية بامتياز وشطحات تشبه مواقف المتصوفة الكبار كـ ابن عربي أو الحلاج حيث تتماهى الذات الإنسانية بالكونية: "أقدم فوق الموائد ظلي قربى إلي.. أصلي علي".
صوت الشاعر في ضوضاء المدينة والزمن:
طارق الجمل لا يكتب من برج عاجي، بل يحمل في صوته موقفًا اجتماعيًا وتاريخيًا يرفض زيف الحاضر. في قصيدته "ارتدادات الفصول القادمة"، يطلق صرخة احتجاج ضد صناعة النجومية الزائفة وتملق الأغلفة الثقافية، معلنًا تبرؤه من ذلك المدار الزائف بالأسطر التالية:
"وأنا الذي
ما كنت نجما
في مدارات التملق والهوى ،
ما كنت نجما أبرزته الأغلفة"
وينحاز في المقابل ببساطة مفرطة إلى النهر والقرية وبراءة العباءة البكر التي يهددها مداد الآخرين بالقلق والنزق:
"لا تعبثي بعباءتي ؛
فمداد كفك قد تخضب
بالتمرد والقلق"
هذا الموقف يعيد إلى أذهاننا ملامح من تمرد أمل دنقل ضد زيف المدينة الكبيرة؛ غير أن دنقل كان يواجه العالم برمحٍ قاطع ولا يصالح، في حين يواجه طارق الجمل نفاق مجتمعه ومخاض العصر الملطخ بالدماء برقةٍ رومانسية، مستدعيًا جذوره التاريخية كدرع لصد التشرذم، فيلتفت إلى "أحمس" و"بنت إخناتون" ليصنع من عبق الماضي حصنًا لوجه غده المهدد بالضياع:
"ويسألني :
عن التاريخ ، عن " أحمس "
وعن دفء يباغتني ،
وخيمتها قبيلتنا ،
وأين جذورنا تاهت ؟"
"هي بنت إخناتون
تسكنني
تصلي في شراييني
تهدهدني"
هذا اتوظيف الرمزي والتاريخي يتشابه مع ما صنعه صلاح عبد الصبور حين استدعى مآسي البشر الحفاة في زمنه الجريح، ليعبر عن سقم الواقع المعاش.
في محراب الصنعة: أين أصاب الشاعر وأين كبا؟
1- مواطن الألق:
يمتلك الشاعر أذنًا موسيقية بالغة الحساسية في ضبط إيقاع شعر التفعيلة وتناغم بحوره الداخلية، فالحروف تنساب لديه كغدير راقص، وبعض صوره تفلت من التوقع لتبهرنا بجمالها التعبيري المبتكر كصورة "ارتشاف الورود":
"أمد الفضاء ،
وأفرشه بالحرير
لمن يعشقون
ارتشاف الورود"
وصورته السريالية الباذخة في رصد حركة النور والشفق في قوله:
"فتبوح عيناك اللتان تفجران الصبح
في بطن الشفق"
كما يتناص الشاعر بذكاء عذب مع محمود درويش في ترويض تفاصيل الحياة اليومية والارتباط بالأرض والرموز الإنسانية محاكيًا ديوانه "أثر الفراشة" في حياكة السؤال الوجودي واليومي المقلق:
"ويسألني كما محمود :
عن الحلوى ؛
فأزعم أن بائعها يعاندني"
ويرفضني،
ومحمود يجادلني،
ويسألني،
ويسألني
2-مواطن العثرة والندبة اللغوية:
يعيب هذه الرحلة استسلام الشاعر أحيانًا للنمطية الرومانسية المستهلكة؛ فهو يعيد تكرار ثنائيات مدرسة "أبولو" القديمة حتى تكاد تفقد المفردة دهشتها، كما في استدعائه للزهور الذابلة وعصافير الصباح الحزينة:
"فأظلُّ أقرأ
في الزهور الذابلة"
"لمن غنت
بصبح العشق ياقلبي
عصافيري ؟"
كما نلحظ أن بعض الأسطر تأتي مترهلة وممدودة فقط لإكمال الوزن الإيقاعي والموسيقي دون رفد المعنى بجديد، مثل التكرار الممتد في الصفحة 17:
"أمد الفضاء ،
وأفرشه بالحرير
لمن يعشقون
ارتشاف الورود"
"ومن يعشقون
ومن يعشقون"
في حين أنَّ النص بلغ ذروته الفنية والموسيقية عند قوله: "وطول مداها زوايا الطريق"، فجاء التكرار اللاحق زائدًا عن حاجة الدلالة.
أما على الصعيد اللغوي النحوي،
ضرورة العناية بتشكيل حروف وتنوين بعض الكلمات العابرة ليتضح معناها الدقيق للقارئ.
الأثر الأخير والندبة الظاهرة:
حين تُغلق الغلاف الخلفي للديوان، يفيض في روحك "شجن شفاف عذب". هذا هو الانطباع الأجمل للعمل؛ طاقة همس روحي تأخذك إلى عوالم صوفية وتأملية مريحة تشبه عوالم فاروق جويدة أو تأملات إيليا أبو ماضي، حيث البساطة تأسر القلب دون تعقيد فلسفي مجهد ومقحم.
لكن، ومِن قبيل الأمانة ، فإن هذا النتاج الجميل قد أُصيب بـ"ندبة بصرية مؤلمة" داخل صفحاته؛ إذ تعرض لخلل طباعي وتنظيمي فادح تسبب في تفتيت كلمة (عباءتي) إلى حروف معزولة ومفككة هكذا: (ع ب ا ء ت ي) في الصفحة 36:
"الآن أنت ـ صغيرتي ـ
في حيرة
بين البقاء ،
أو تحرقين عباءتي ،
أو تحرقين ع ب ا ء ت ي ."
فرغم أن هذا التفكيك قد يقبله الشاعر حداثيًا للتعبير عن تمزق الذات، إلا أنه كسر انسيابية القراءة وعكر صفو الموسيقى البصرية للقصيدة وجعلها تبدو كخلل طباعي، تكرر بنظيره من خلال ترك مسافات واسعة بين حروف الكلمة الواحدة في مواضع متفرقة.
كلمة أخيرة
ديوان "ما كان.. كان" هو نبض شعري دافئ وتجربة وجدانية صادقة، تمشي بثبات على خطى الكبار في ألق شعر التفعيلة المعاصرة. إنه عمل ممتع بجماله الروحي، ويستحق تمامًا في طبعاته القادمة أن يُكسى ثوبًا طباعيًا نقيًا وخاليًا من الثغرات، ليكون مرآة مصقولة تليق بجمال ما تحمله السطور من مشاعر دافقة وأفكار رحبة.
