مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

قصة قصيرة : احتراق خفيف... بقلم إيناس محمد عتمان

2026-07-09 12:32 AM  - 
قصة قصيرة : احتراق خفيف... بقلم  إيناس محمد عتمان
منبر التحرير- المبدعون

كانت "لينا" تقف أمام بابٍ خشبيٍّ تقشّر طلاؤه بفعل الزمن، كأن السنوات مرّت عليه لا لتفتحه، بل لتأكله ببطء. كانت أصابعها تحيط بمفتاحٍ صدئ، ثقيل، لم يجرؤ على الدوران في قفله منذ أكثر من عامين. ظلّت لحظاتٍ تحدّق في ثقب المفتاح، كأنها تنظر إلى عينٍ تعرفها، لكنها تخشى أن تبادلها النظر.

لم تكن الغرفة مجرد أربعة جدران، بل كانت مخزنًا لزمنٍ كامل، زمنٍ هربت منه يومًا وهي تظن أن المسافة كفيلة بأن تنقذها. لكنها، مع كل مدينةٍ جديدة، كانت تكتشف أن المسافات ليست إلا كذبةً متقنة، وأن الإنسان قد يسافر آلاف الأميال، وهو لا يزال عالقًا في زاويةٍ صغيرةٍ من ماضيه.

تنفّست ببطء، ثم أدخلت المفتاح في القفل. ترددت يدها لحظةً، كأنها تمنح نفسها فرصة أخيرة للفرار. لكنها لم تفعل. أدارت المفتاح بصعوبة، فصدر صوتٌ خافت، أشبه بأنينٍ قديم، ثم انفتح الباب.

في اللحظة التي انفرج فيها، اندفع غبارٌ كثيف إلى الخارج، كأنه أرواحٌ كانت تنتظر الإذن بالتحرر. تراجعت خطوة، لا خوفًا، بل دهشةً. لم تكن الغرفة كما تذكّرتها. كانت أصغر، أبرد، وأكثر غربة. المعالم باهتة، والأشياء فقدت حدودها الواضحة، كأن الزمن مرّ من هنا ولم يترك شيئًا في مكانه.

خيوط العنكبوت تمددت على النوافذ، لا كإهمالٍ عابر، بل كستائر إضافية نسجها النسيان بإتقان. الضوء الذي تسلل من الخارج بدا مترددًا، كأنه هو الآخر لا يريد أن يقتحم هذا الركود.

دخلت لينا ببطء، تحمل حقيبتها التي بدت أثقل من حقيبة سفر عادية. لم تكن مثقلة بالثياب، بل بـ"كتاب الانتماء" الذي سكنت حروفه المرتجفة أعماقها. كتابٌ لم تحمله بيدها، بل في داخلها، حيث كل محاولة للنسيان كانت تتحول إلى سطرٍ جديد.

وضعت الحقيبة جانبًا، وجلست في ركنها القديم. لم يتغير مكانه، لكنه لم يعد يشبهها. أو ربما هي التي لم تعد تشبهه.

ساد صمتٌ صاخب، صمتٌ لا يُسمع، لكنه يُحسّ كضغطٍ خفيفٍ على الصدر. كان يشبه تمامًا ضجيج الأشباح في البيوت المهجورة، حيث لا شيء يتحرك، ومع ذلك يبدو كل شيء حيًا بطريقةٍ مقلقة.

أغمضت عينيها، وبدأت تستعرض شريط ذكرياتها. رأت نفسها تضحك هنا، ضحكةً خفيفةً، غير حذرة. رأت نفسها تجلس على الأرض، تكتب، تمحو، ثم تعود لتكتب. ثم فجأة، تغيّر المشهد. رأت نفسها وهي تفرّ من المكان، بخطواتٍ سريعة، كأنها تهرب من شيءٍ يطاردها من الداخل، لا من الجدران.

فتحت عينيها بسرعة، كأنها استيقظت من حلمٍ لم ينتهِ بعد. كانت الرائحة في المكان غريبة… مزيجٌ من عطرٍ قديمٍ لشخصٍ غاب، ورائحة الورق العتيق الذي احتفظ بكل ما كُتب عليه، حتى ما لم يُكتب.

مدّت يدها نحو الجدار، مررت أصابعها على سطحه الخشن، كأنها تتحسس ذاكرةً لا تُرى. لم تجد شيئًا… أو ربما وجدت أكثر مما يجب.

في تلك اللحظة، أدركت لينا شيئًا لم تكن مستعدةً له. لم يكن "السقم" في الغرفة، ولا في الأشياء التي تركتها خلفها. كان في انتظارها… في فكرتها الساذجة أن المكان سيظل كما هو، منتظرًا عودتها كما تركته.

لقد تغيّرت.

والخراب الذي كانت تخشاه لم يكن في الجدران، بل في تلك الحقيقة البسيطة: أن "العودة" لا تعني دائمًا "الرجوع".

شعرت بثقلٍ في صدرها، ليس حزنًا خالصًا، بل مزيجًا من الاعتراف والتعب. كأنها أخيرًا توقفت عن الهرب، لا لأنها وجدت مخرجًا، بل لأنها لم تعد قادرة على الاستمرار.

أخرجت علبة ثقاب من حقيبتها. تأملتها لحظةً، ثم سحبت عودًا وأشعلته. ارتعش اللهب في البداية، صغيرًا، هشًا، لكنه أضاء جزءًا من العتمة. اقتربت به قليلًا، كأنها تحاول أن ترى المكان من جديد، لا كما كان، بل كما هو الآن.

لكن الريح تسللت من شقوق الباب، خفيفة، باردة، كأنها نفسٌ قديم. تراقص اللهب، ثم مال قليلًا، حتى لامس طرف ذاكرتها.

في تلك اللحظة، لم تشعر بالدفء على أصابعها، بل بحرارةٍ تتصاعد من داخلها. كان قلبها هو الذي يحترق ببطء، لا احتراقًا مدمرًا، بل احتراقًا يشبه التطهير.

جلست دون أن تطفئ العود، تراقبه وهو يذوب تدريجيًا بين أصابعها. لم تحاول إنقاذه. كانت تراقب النهاية كما لو أنها ضرورية.

شيئًا فشيئًا، خفّ الثقل.

لم تختفِ الذكريات، ولم تتبدد، لكنها لم تعد بنفس الحدة. كأنها، وهي تحترق، تترك خلفها مساحةً أخف.

أغمضت عينيها، وتركت نفسًا طويلًا يخرج من صدرها. لم يكن تنهيدة حزن، بل أقرب إلى استسلامٍ هادئ.

حين فتحت عينيها، لم تكن الغرفة أجمل، ولا أكثر دفئًا، لكنها لم تعد مخيفة.

كانت فقط… مكانًا.

ابتسمت ابتسامةً خفيفة، بالكاد تُرى، ثم همست، لا لأحد، وربما لنفسها:

"ربما لم أعد لأستعيد… بل لأتخفف."

وفي صمتٍ يشبه البداية، تركت العود ينطفئ، بينما كان قلبها، أخيرًا… يتعلم كيف يكون خفيفًا.

مساحة إعلانية