مساحة إعلانية
كمدينة يغلفها الضباب الدائم، كان الجميع في القرية يحملون مصابيح ورقية شاحبة. كانت تلك المصابيح رقيقة، تخبو مع أول نسمة ريح، فيجد المرء نفسه وحيدًا في عتمةٍ باردة، كمن ضل طريقه في بلادٍ لا تعرفه.
"نور" كانت تخشى الريح أكثر من أي شيء. كانت تقبض على عروة مصباحها بأصابع ترتجف، تمشي بحذرٍ مبالغ فيه، تجنبًا لعثرةٍ قد تطفئ نورها الوحيد. الطريق التي كانت تسير فيه كان طويلًا، والضباب يلتهم الملامح، حتى شعرت أن العالم مجرد مساحة موحشة من الاغتراب.
ذات مساء وهي في الطريق، هبت عاصفة مفاجئة. صرخت الفتائل وانطفأت المصابيح في الشارع الواحد تلو الآخر. وقفت "نور" في مكانها، وقد غرق مصباحها في السواد، وشعرت ببردٍ ينخر عظامها، لم تجرؤ على التحرك، فكل اتجاه بدا منفى.
فجأة، شعرت بـ يدٍ دافئة تمسك بمعصمها. لم يكن هناك ضوء مبهر، بل كان هناك "أمل"، صديقتها التي ظهرت من وسط الضباب.
لم يكن مصباح "أمل" يشتعل بنارٍ عادية، بل كان يبعث ضياءً ذهبيًا دافئًا، يشبه في لونه تغلغل الشاي في الماء الساخن. كان الضوء محبوسًا داخل فانوس زجاجي سميك، يشبه في استدارته إناء شايٍ قديم، صلبٍ لا تكسره الريح.
قالت أمل بهدوء: "اقتربي، ضوئي يتسع لشخصين، ودفؤه يكفي لتبديد هذا الصقيع".
لم تكتفِ أمل بإنارة الطريق، بل جعلتها تمسك معها بمقبض الفانوس.
في تلك اللحظة، لم يعد الضباب مخيفًا، شعرت "نور" أن الحرارة المنبعثة من زجاج الفانوس تشبه حرارة كوب شايٍ نرتشفه في ليلة شتاء، تحول الخوف إلى مغامرة، والوحشة إلى ألفة.
عندما وصلا إلى مشارف الشارع اللذان يقطناه في القرية، قالت نور: "لقد كان مصباحك قويًا، وكأنني لم أكن أسير في شارع، بل كنتُ في بيتنا القديم".
ابتسمت أمل وقالت: "المصباح لم يتغير، لكن حين اجتمعنا، صار للضوء طعم الحكايات، وللطريق وجهة".
أدركت نور حينها أن الرفقة ليست مجرد شمعة نخشى عليها من الانطفاء، بل هي ذلك الوطن الصغير الذي نغليه بصبر ونحمله في زجاجة؛ نرتشف أمانه أينما رحلنا، ليكون الصمت بيننا مفهومًا، والتعثر مجرد قصة نرويها ونضحك.