مساحة إعلانية
من بين أكثر ما يربك المشهد الثقافي في مصر الآن ليس غياب الفعاليات ولا ندرة الأنشطة بل تلك المسافة التي تتسع يوما بعد يوم بين المثقف الحقيقي وبين ما يُقام باسمه
فكل يوم تقريبًا نقرأ عن افتتاح جديد أو مبادرة جديدة أو مشروع يحمل عنوانًا لافتًا بينما يقف أغلب المثقفين والفنانين على الهامش يتابعون كل شيء عبر صفحات التواصل الاجتماعي وكأنهم جمهور بعيد لا شركاء في المشهد.
ولأنني أعلنت مرارًا وتكرارًا إعجابي بمشروع الدكتورة جيهان زكي ورؤيتها التي تبدو مختلفة في كثير من التفاصيل ولأنني أؤمن أن الثقافة المصرية تحتاج بالفعل إلى أفكار جديدة تعيدها إلى الشارع وإلى الناس فإن من حقنا أيضًا أن نطرح الأسئلة بوضوح وهدوء دون أن يتحول السؤال إلى خصومة ودون أن تتحول الملاحظات إلى معركة.
ما حدث مؤخرًا في افتتاح مبادرة شارع الفن بشارع الشريفين يفتح الباب واسعًا أمام هذه الأسئلة
المبادرة في ظاهرها تحمل فكرة شديدة الأهمية؛ إعادة الفن إلى المجال العام وتحويل الشارع إلى مساحة مفتوحة للجمال والموسيقى والعروض الفنية هي فكرة تستحق الإشادة بلا شك لأنها تعيد الاعتبار لفكرة الثقافة الشعبية الحية التي تخرج من الجدران المغلقة إلى الناس مباشرة
لكن الأزمة ليست في الفكرة بل في طريقة تقديمها وإدارتها إعلاميًا وثقافيًا
الغريب أن معظم المثقفين عرفوا بالافتتاح بعد انتهائه لا دعوات واضحة لا إعلان مسبق لا حالة حوار تسبق الحدث وكأن هناك من يتعمد أن يبقى الوسط الثقافي بعيدًا عن تفاصيل ما يحدث ثم يفاجأ الجميع بصور منشورة وخبر رسمي يتحدث عن نجاح الحدث وحضوره
وهنا يصبح السؤال مشروعًا أين الإعلام الثقافي قبل الفعالية؟
أين إدارة العلاقات العامة بوزارة الثقافة؟
أين التواصل الحقيقي مع الكتاب والفنانين والنقاد والمسرحيين والشعراء؟
كيف تتحول وزارة بحجم وزارة الثقافة إلى جهة تعلن عن فعالياتها بعد حدوثها فقط؟
الأمر لا يتعلق بحضور شخصي أو دعوة فردية بقدر ما يتعلق بفكرة المشاركة نفسها فالثقافة لا تُبنى بالصور الرسمية وحدها ولا بالبيانات الصحفية فقط بل تُبنى حين يشعر المثقف أن هناك مساحة حقيقية للحضور والتفاعل والمناقشة والمساهمة
أما أن يتحول المثقف إلى متابع يقرأ أخبار وزارته من المواقع الإخبارية فهذا يخلق مع الوقت حالة من الغربة بين المؤسسة الثقافية وأبنائها.
واللافت أكثر أن هذه الظاهرة أصبحت تتكرر بصورة تدعو للتساؤل
افتتاحات تتم ثم نعرف بها لاحقًا
فعاليات تقام ثم تظهر صورها بعد ساعات وكأن المطلوب فقط توثيق الحدث لا إشراك الناس فيه حتى بدا الأمر لدى كثيرين وكأنه سياسة غير معلنة تقوم على تقليل الحضور الثقافي المباشر والاكتفاء بالدعاية الإلكترونية بعد انتهاء المناسبة.
أنا هنا لا أهاجم وزيرة الثقافة بل أطرح أزمة تبدو واضحة للجميع لأن أي مشروع ثقافي مهما كان جادًا لن ينجح إذا ظل محاطًا بعزلة تنظيمية وإعلامية ومن حقنا أن نسأل
هل تصل هذه التفاصيل إلى الوزيرة كما هي؟ وهل تعلم الدكتورة جيهان زكي أن كثيرًا من المثقفين يشعرون بأنهم خارج الصورة رغم اقتناعهم بأهمية بعض ما يُطرح من أفكار؟
النجاح الحقيقي لأي مشروع ثقافي لا يقاس فقط بعدد الصور المنشورة ولا بعدد البيانات الرسمية بل بقدرته على خلق حالة عامة يشعر فيها المثقف أنه جزء من المشهد لا متفرج عليه فالثقافة المصرية عبر تاريخها لم تُبنَ خلف الأبواب المغلقة بل بجدل المثقفين وضجيجهم وأسئلتهم وحضورهم الإنساني الحقيقي
ولهذا فإن مبادرة مثل شارع الفن تحتاج إلى ما هو أكثر من افتتاح رسمي تحتاج إلى روح إلى حوار إلى دعوات مفتوحة إلى إعلان مبكر إلى شعور عام بأن الشارع بالفعل أصبح للجميع لا مجرد خلفية جميلة لصور تُنشر بعد انتهاء الحدث.