مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

الجميلي أحمد يكتب: جمال بخيت .. وجه الإنسان في مرآة القصيدة

2026-05-24 03:17 AM  - 
الجميلي أحمد يكتب: جمال بخيت .. وجه الإنسان في مرآة القصيدة
جمال بخيت

هناك شعراء نعرفهم من الكتب ثم نقرأهم
وهناك شعراء نعرفهم من الحياة نفسها من صوتٍ مر علينا في لحظة
من بيت شعرٍ حفظناه دون أن نقصد
من أغنيةٍ سكنت القلب قبل أن نعرف من كتبها

وجمال بخيت من هؤلاء
يصعب أن نقترب منه باعتباره شاعرًا فقط
لأن الحكاية أكبر من شاعر وأوسع من قصيدة
وأبقى من نص
قبل أن يصبح جمال بخيت اسما حاضرا في الذاكرة الثقافية المصرية والعربية
كان طفلا قادما من سوهاج يحمل في روحه ملامح الجنوب الأولى .. ملامح الأرض الصلبة
والصبر الطويل والكرامة التي لا تحتاج أن تُعلن نفسها
ثم جاءت القاهرة
وجاءت مصر القديمة بكل ما فيها من بشر وحكايات وأصوات وشوارع تعرف كيف تربي أبناءها على الدهشة والاحتمال بين الجنوب والقاهرة تكوّن الرجل
أخذ من الأول الجذر وأخذ من الثانية الصوت
ولهذا حين كتب بدا كأنه لا يكتب من مكان واحد
كان يكتب من مصر كلها من الشارع 
من الحارة
من البيت القديم
من المقاهي
من وجوه الناس
من تعبهم اليومي
ومن ضحكتهم التي تولد رغم كل شيء لم تكن الكتابة عنده مهنة ولا كانت القصيدة مجرد شكل أدبي كانت طريقه للحياة 
كأنه كلما ضاقت الدنيا اتسعت له الورقة
وكلما ازدحم العالم حوله فتحت له الكلمات بابا سريا للعبور
كتب العامية لكنها خرجت من يده أكبر من التصنيف
عامية تعرف طريقها إلى القلب وتعرف طريقها إلى الفكر
وتحمل بساطة الناس دون أن تفقد عمق الشعر
وحين تقرأه تشعر أن اللغة عنده ليست مصنوعة بل مولودة كأنها خرجت من أفواه الناس ثم صعدت إلى القصيدة كما هي
بنَبضها وبوجعها وبصدقها الكامل لهذا أحبه الناس لأنه لم يكتب فوقهم بل كتب منهم
لم يقف بعيدًا يراقب المشهد
كان داخل المشهد نفسه يعرف ملامح البسطاء
ويعرف انكساراتهم الصغيرة
ويعرف كيف يمكن لجملة واحدة أن تحمل حزن مدينة كاملة أو فرحة بيت صغير في آخر الليل
وحين ذهب إلى الأغنية لم يغادر الشعر
أخذ الشعر معه فبدت كلماته المغناة وكأنها قصائد خرجت من الورق لتعيش بين الناس
في البيوت
وفي السيارات
وفي المسارح
وفي ذاكرة جيل كامل
لكن جمال بخيت أبعد من شاعر غنائي وأبعد من صاحب قصيدة ناجحة
فيه شيء إنساني نادر شيء يجعلك حين تقترب من تجربته لا ترى النص وحده
بل ترى الإنسان الواقف خلف النص ترى ابن الجنوب الذي لم ينس جذوره
وترى ابن القاهرة الذي لم يغادر ناسها
وترى المثقف الذي لم يتعال على الناس
وترى الشاعر الذي ظل وفيا لصوته الأول مهما اتسعت التجربة
كتب الحب كما لو أنه يعرف خساراته جيدا
وكتب الوطن كما لو أنه يكتبه من الداخل
وكتب الإنسان كما لو أنه يدافع عنه بالكلمات
وهذا ربما سره الحقيقي
أن القصيدة عنده لم تكن زينة لغوية بل كانت موقفًا وكانت انحيازًا وكانت طريقة لرؤية العالم
وفي كل شاعر كبير لحظة لا تُكتب لحظة يسبق فيها الإنسان نصه
وعند جمال بخيت تبدو هذه اللحظة واضحة جدا كأن الرجل كله موجود في شعره
وكأن حياته بكل ما مر بها لم تغادر سطرا واحدا مما كتب ولهذا بقي
ليس فقط لأن قصائده جميلة
ولا لأن كلماته وصلت سريعا إلى الناس
بل لأن الإنسان الذي كتبها كان حاضرا فيها كلها
حاضرا بقلبه وبصوته وبحلمه
وبانحيازه القديم للناس والكلمة والحياة
ولقد أكون صادقا مع نفسي أقول ما دفعني للكتابة عن جمال بخيت الانسان هو لقائي الاخير به في اتحاد كتاب مصر حيث كان يتسلم جائزته التي سعت إليه فليبقي جمال بخيت شاعرا كبيرا ولتبقي محبته في القلوب

* من سلسلة مقالات الإنسان قبل النص

مساحة إعلانية