مساحة إعلانية
لم يكن أشرف البولاقي مجرد شاعرٍ يُجيد ترتيب اللغة بل كان إنسانًا يُجيد ترتيب القلوب حوله بحذرٍ أول الأمر وبسخاءٍ لا حدود له بعد ذلك. كثيرون عرفوا الشاعر المثقف صاحب الرؤية النقدية الواضحة لكن القليل فقط اقتربوا من تلك المنطقة الدافئة التي كان يسكنها الإنسان في داخله.
لم يكن البولاقي سهل الاقتراب. كان يبدو للوهلة الأولى كأنه يضع مسافة محسوبة بينه وبين العالم كأنه يختبر صدق الوجوه قبل أن يمنحها مكانًا في دائرته. لكنه حين يفتح تلك الدائرة لا يُغلقها أبدًا. من يدخلها لا يكون عابرًا، بل يصير جزءًا من ذاكرته من يومه من تفاصيله الصغيرة التي لا يراها الآخرون.
كانت إنسانيته تُقاس بأشياء قد تبدو بسيطة لكنها في حقيقتها نادرة. أن يحفظ تواريخ ميلاد أصدقائه لا بوصفها أرقامًا بل بوصفها لحظات تستحق الاحتفاء.
أن يقطع مسافات طويلة فقط ليكون حاضرًا في زيارة في عزاء - في فرح في لحظة ضعف أو بهجة. كان الحضور عنده فعل محبة لا مجاملة.ولم يكن يُجيد فقط أن يكون حاضرًا بل أن يُشعرك بقيمتك.
كان يعرف كيف يقدّر أصدقاءه كيف يمنح الجلسة معناها وكيف يحوّل لقاءً عابرًا على مقهى إلى مساحة إنسانية كاملة تُقال فيها الحياة كما هي بلا تزويق ولا ادعاء. لم يكن الشعر وحده ما يجمعك به بل ذلك الإحساس العميق بأنك أمام إنسان يرى الإنسان فيك.
نتذكره في تلك التفاصيل التي لا تُكتب عادة في السير جلسات الأرصفة في شوارع قنا حيث كان الكلام يمشي على مهل كأنه جزء من هواء المدينة. رحلات السفر البسيطة من قنا إلى دشنا، لا لشيء إلا لزيارة صديق أو لتأكيد معنى الصداقة ذاته. تلك اللحظات التي تبدو عابرة لكنها في حضرته كانت تُصاغ كأنها قصيدة أخرى لا تُكتب على الورق بل تُعاش.
كان بسيطًا بطبيعته لكن بساطته لم تكن مُتاحة للجميع من اللحظة الأولى. كان يمنحها لمن يستحقها كأنها مكافأة على الصدق. لذلك لم يكن كثيرون يعرفون هذا الوجه منه لكنه كان الوجه الأصدق.
ربما لهذا حين نذكر أشرف البولاقي اليوم لا نستدعي فقط نصوصه بل نستدعي حضوره طريقته في الجلوس في الإصغاء في تذكّر الآخرين. نستدعي ذلك الإنسان الذي لم يكتب عن البشر فقط بل عاش بينهم كما لو كان واحدًا من قصائدهم.
رحل الشاعر وبقي الإنسان شاهدًا عليه في قلوب من عرفوه وربما هذا هو الانتصار الحقيقي أن تترك في حياة الآخرين ما هو أبقى من الكلمات.