مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

إسحاق روحي يكتب : رحل أيضا سيد العديسى

2026-05-23 07:56 PM  - 
إسحاق روحي يكتب : رحل أيضا سيد العديسى
اسحاق روحي رئيس التحرير

●● في بداية التسعينيات من القرن الماضي كان اللقاء مع سيد العديسي الشاعر القنائي حين كانت الأقصر تابعة لمحافظة قنا.. عرفني عليه الشاعر القنائي وصديق العمر والروح محمود مغربي.
●● سيد العديسي عينيه شاعرة حين تنظر له لا تري إلا شاعر.. صعب تتوقعه أي شيء آخر.. ومرت الأيام وتقابلنا في القاهرة وكانت لا توجد زيارة لمحمود مغربي إلا ونتقابل مع سيد لدرجة أنه قال والله عيب اللي يجمعنا مع بعض صديق قادم من أقصي الصعيد.. نعم القاهرة مفرمة للجميع ومفرمة أكثر وأكثر للصحفيين والأدباء.
●● آخر مرة تقابلنا كنا في معرض القاهرة الدولي للكتاب قبل يوم من انتهائه.. كانت مقابلة سريعة.. أنا مرتبط بمناقشة كتاب وهو كان مرتبطاً بحضور إحدي الندوات وكان معنا الصديق نبيل بقطر والجميلي أحمد وسيد يونس ولم يستمر اللقاء كثيراً.
●● وسط حزننا علي رحيل الشاعر والصديق أشرف البولاقي وتحول الفيس بوك إلي ساحة عزاء ظهرت صورة سيد العديسي وصديق مشترك هو الزميل الصحفي مسعد جلال يقوم بنعيه وأنه فارق الحياة.
●● أنه موت الفجأة الذي دائماً ما يجعلنا ضعفاء أمام أنفسنا.. فليس في يدنا شيء سوي الحزن والبكاء ولا شيء آخر.. عرايا من أي قوة ضد الموت هذا الذي إذا ما حدث فلا شيء يستطيع إعادته خطوة للوراء إلا الله سبحانه بمعجزة ونحن لسنا في زمن المعجزات.
●● حين تلتقي سيدالعديسي كنت تشعر أنه ليس من هذا الكوكب وكأنه جاء ضيفاً عليه وسيرحل في أوج شبابه وتألقه وكما فجعنا الموت في أقل من عشرة أيام في أشرف البولاقي وسيد العديسي فجعنا في الشاعر حمدي موسي وكأنه موسم موت الأنقياء وكأن الكوكب ضاق بالأدباء.
●● ماذا تفعل إذا وجدت من كنت تجد نفسك معهم أنقسموا.. جزء منهم رحل إلي السماء والآخرون تاهوا في الحياة التي أصبحت تثقل كاهلنا جميعاً.. ما طعم الحياة وأنت لا تجد حولك سوي التافهين والذين حولوا عقولهم إلي مستنقع لا يوجد به شيء مفيد ولا يضيف شيئاً للإنسانية.
●● بموت الأصدقاء الذين كانوا يعطون العقل القوة ويجعلونه في حالة صمود دائم فقدنا الشغف بالحياة.. أصبح الوجود والعدم سواء إلي أن يمن الله علينا بآخرين نعرفهم من بعيد لبعيد حتي إذا ما لحقوا بالأصدقاء الذين سبقونا للسماء لا تتكرر الفجيعة.
●● في بداية سن الخمسين ومع أكثر من صديق لي كنا حين نجلس ويأتي شخص جديد يريد الانضمام إلينا كانت عيوننا تقول نحن لسنا في وقت تجريب لصداقات جديدة ظناً منا أن مجموعتنا لن تتكرر ولن تنتقص وأيضاً لن يضاف لها جديد.. بمعني أدق كنا لا نريد أن ندخل في تجارب مع أشخاص جدد حتي لا نظل نتساءل تري سيكون جيداً أم سيئاً.
●● مجموعتنا تتسرب من بين أيادي الحياة.. يرحلون واحداً تلو الآخر ومن سيتبقون وأنا واحد منهم نقف ننتظر الرحيل.
●● رحل سيد العديسي وبقيت أعماله حاضرة فلنستمتع معاً بقصيدة.. يلوح بيده لمشيعيه وكأنه كان يقرأ ما كان سيحدث بعد رحيله.
يُلوّحُ بيدِه لمُشيِّعيه .. للشاعر الكبير الراحل سيد العديسي
“يموتُ.. ليشعروا بالندمِ”
من الآن سيشعرون بالحسرةِ
وسيتألمونَ من الخَسارةِ
لأن ندمَهم عليكَ جاء متأخرًا
هم الذين لم يَشعرُوا ولو للحظةٍ واحدةٍ بوجودِك
بالرغمِ من أنك طوالَ عمرِك بينهم.
...
سيذكرونَ أعمالَكَ الطيبةَ..
ويُلبسونها ثوبَ الولايةِ
وسيتغاضون – بمحضِ إرادتِهم-
عن ذنوبِك التي يعرفونها
الندمُ فقط سيجعلُها بيضاءَ
والخجلُ لن يمنحهم أيَ فرصةٍ
ليتذكرُوها أصلًا .
...
سيقولون إنك ابنُ موتٍ
ومنذ الصغرِ فيك شيءٌ لله
ويُلصقونَ بكَ مواقفَ متفرقةً للبطولةِ
لم يسمعْ عنها أحدٌ من قبلْ
ومن كلِ أعماقِهم سيتمنَوْنَكَ بينهُم
ليُشعرُوكَ بحبِهم أكثر
...
في هذه اللحظةِ بالذاتِ
ستضبطُ روحَك مُتلبِّسا بالحزنِ من أجلِهم
وستبكي رِفقًا بحالِهم
وستندمُ علي شربِك كلَّ هذه الكميةِ
ولن تنسي - طبعا –
أن تتمني لو أن وجودَ الحبوبِ
– كلَّ هذه المدةِ –
خارجَ الثلاجةِ
جعلَها تَفْسَدُ.
“لم يُضيِّع فرصةً في حياتِه”
أن يكونَ بيتُكم في آخرِ النجعِ
فتلك مَيْزةٌ
الآنَ فقط ستُدركُ قيمتَها
لأنه الآنَ فقط
يمكنُ لنعشِكَ المرورَ أمامَ بيوتِ كلِ البناتِ اللاتي عرفتَهُنَّ
واللاتي سهرت من أجلِهِنَّ لياليَ طويلةً تُفصِّلُ الخططَ والخطابات.
...
يُمكنكَ التلكؤَ عندَ كلِ بيتٍ
كان لك بداخلِه ذكرى
لا تنشغلْ إذا ما شعرَ من يحملونكَ بالثِقلِ
ولا تغضبْ إذا ما أنزلوكَ في الطريقِ
ربما تتواطأُ معك الصُدفُ
فتكونُ أمامَ بيتِها بالضبط
...
انتهزها فرصةً
وحاول أن تُثنيَ عنقَكَ
لتُلقيَ نظرةً أخيرةً
في اللحظةِ نفسِها
ستكونُ البنتُ – كنتَ تتعجبُ دائمًا من كميةِ الدهونِ علي صدرِها –
في بهوِ بيتِها
تواربُ البابَ لكي تودعَكَ
...
ولمّا يرفعونكَ
- كرامتُك في دفنِك -
سيبدأُ جسمُك في الثِقلِ مرةً أخرى
ولأنك لم تكن لتفوّتَ أيَّ فرصةٍ في حياتِك
سيُنزلونكَ ما يزيدُ علي العشرينَ مرةً
حتي إذا ما وصلوا للمقابرِ
سيُلقون بكَ ويعودون
- وطبعًا -
لن ينسوْا سبَّ من أخرجَهُم من بيوتِهم في مثلِ هذه الساعةِ
بالرغمِ من أن الرحمةَ تجوزُ لك. 
eshak_rawhe@yahoo.com

مساحة إعلانية