مساحة إعلانية
اصمتْ قليلًا،
وأغمِضْ عينيكَ عنَّا،
فإنَّا لم نعد كما كنَّا.
وغضَّ الطرفَ،
فلن تلقى فينا
أهلَ المروءةِ والشِّيَمِ،
فقد تهدَّمتِ القِيَمُ،
وتهاوتْ فوق صدورِنا
أعمدةُ الحُلُمِ.
ما عاد فينا
حاتمٌ
يبذلُ ما يملكُ
دون انتظارِ الثمنِ،
فانهارتِ القممُ،
ولن تبصرَ عنترةٌ
يعتلي صهوةَ المجدِ
إذا اشتدَّ الوغى
واحتدمَ الزمنُ.
فأين ذو الهممِ؟
أصبحنا أصحابَ راياتٍ
تعدَّدُ ألوانُها،
غيرَ أنَّها
تُرفَعُ للدينارِ والدرهمِ.
نمضي وراءَ مصالحِنا
حيث تمضي،
ونبيعُ ما تبقَّى
من ملامحِنا.
ساومنا على الشرفِ،
وتاجرنا بالضميرِ،
حتى غدا النُّبلُ
سلعةً كاسدةً
في أسواقِ العارِ،
فلم تعد لنا ذممٌ،
وتنازلنا عن عزَّتِنا،
حتى إذا ضاعتْ
بحثنا عنها في ركامِ الأعذارِ،
فلن نجدَ إلا جِيَفًا ورِمَمًا.
فيا أيُّها التاريخُ،
بمَ ستُخبرُ عنَّا؟
أتكذبُ مثلَنا،
وتُزيِّفُ أيَّامَنا؟
أم ستُخبرُ الأحفادَ
أنَّ الأجدادَ
هدموا أركانَ الأخلاقِ،
وباعوا ما ورثوه
من مروءةٍ ونُبلٍ وشِيَمٍ؟
أتروي ضعفَنا؟
أم تُزيِّنُ وجهَ واقعِنا القبيحِ؟
أم تكتبُ تاريخًا لشعبٍ كسيحٍ جريحٍ؟
أيُّها التاريخُ...
كُنْ صادقًا،
وقُلْ لأحفادِنا:
لقد مرَّ من هنا قومٌ،
كان في أيديهم
أن يبنوا المجدَ العريقَ،
فاختاروا الهدمَ.
وكان في وسعِهم
أن يضيئوا الطريقَ،
فاختاروا الظلامَ،
وأطفؤوا البريقَ،
ثم مضوا...
ولم يتركوا وراءَهم
إلَّا حكايةَ وهمٍ سحيقٍ.