مساحة إعلانية
في خضم الأحداث المتصارعة بين إيران والجبهة الخليجية والجبهة الصهيوأمريكية، يقف العالم مشدوهاً وسط ذهول لا يكاد يصدق، حالة من الهلع تكسر جليد العالم الغربي مما تشاهده منذ اندلاع الحرب الصهيوأمريكية على إيران. إيران تثبت يوماً بعد يوم أنها تمتلك قوة ردع حقيقية، في حين تصر الجبهة الأخرى على إثبات انهيار النظام الإيراني، وما بين هذا وذاك تقف دول الخليج بين قاب قوسين أو أدنى من الدخول في هذا المعترك بقوة الأمر الصهيوأمريكي، إن ما يجري في المنطقة من تطورات متسارعة يضع دول مجلس التعاون الخليجي أمام اختبار تاريخي لم تشهد له مثيلاً منذ تأسيس هذه الدول الحديثة. ففي الوقت الذي تحاول فيه القوى الخارجية فرض معادلاتها الجديدة على المنطقة، تبدو دول الخليج وكأنها تسير في اتجاه معاكس تماماً لما تمليه عليها الاعتبارات التقليدية للتحالفات، لطالما اعتبر المراقبون لدول الخليج أنها تسير في فلك التحالفات الغربية - الأمريكية تحديداً - بشكل شبه تلقائي، لكن المتأمل في الموقف الخليجي الحالي يدرك أن هناك تحولاً استراتيجياً عميقاً يحدث. دول الخليج لم تعد تنظر إلى الأمن من منظور أحادي يقوم على الائتمان الخارجي فقط، بل بدأت تدرك أن أمنها القومي يتطلب تنويع الشراكات واستقلالية القرار.
معادلة الردع الإيراني:
ما تثبته إيران من قدرات في الميدان العسكري والسياسي يشكل تحدياً كبيراً للمعادلات الإقليمية. فالقوة الصاروخية الإيرانية، والحاضنة الشعبية التي تتمتع بها طهران في بعض الدول العربية، إلى جانب التحالفات الإقليمية التي أقامتها على مدى عقود، كلها عناصر تجعل من المواجهة المباشرة معها مغامرة غير محسوبة العواقب. دول الخليج تدرك جيداً أن أي تصعيد عسكري سيكون لها الثمن الأكبر منه،
في المقابل، تمارس الجبهة الصهيوأمريكية ضغوطاً هائلة على دول الخليج لحملها على الانخراط بشكل أكثر وضوحاً في المواجهة مع إيران. هذه الضغوط تأتي في شكل مطالبات بتطبيع أوسع، ودعم لوجستي، وفتح مجالات جوية، بل ومشاركة في التحالفات العسكرية. لكن دول الخليج تتعامل مع هذه الضغوط بحذر شديد، مدركة أن التورط في حرب إقليمية شاملة سيعني تدمير ما بنته من تنمية واستقرار على مدى عقود،
المفارقة الكبرى أن دول الخليج تسير اليوم في اتجاه معاكس تماماً لما تتوقعه الأطراف المتصارعة:
أولاً: الانفتاح الدبلوماسي - في وقت تشتد فيه حدة المواجهة، نجد دول الخليج تنفتح على إيران، فالتقارب السعودي الإيراني الذي تم برعاية صينية لم يكن وليد الصدفة، بل هو خيار استراتيجي يدرك أن الاستقرار الإقليمي يتطلب تفاهماً مع طهران وليس عداءً مطلقاً.
ثانياً: تنويع التحالفات - بدلاً من التمسك بالتحالف الأمريكي التقليدي، تسعى دول الخليج إلى تنويع شركائها الدوليين، فالصين والهند وروسيا ودول الاتحاد الأوروبي أصبحت محاور مهمة في السياسة الخارجية الخليجية.
ثالثاً: الابتعاد عن التطبيع الشامل - رغم وجود اتفاقيات تطبيع مع الكيان الصهيوني، إلا أن دول الخليج تحافظ على مسافة معينة ولا تسمح لهذه العلاقات بأن تتحول إلى تحالفات عسكرية ضد إيران.
رابعاً: التركيز على التنمية الداخلية - في وقت تتصارع فيه القوى الإقليمية والدولية، تواصل دول الخليج تركيزها على مشاريعها التنموية العملاقة، وكأنها تقول للعالم إن معركتها الحقيقية هي مع التخلف والاعتماد على النفط وليس مع جيرانها.
تقف دول الخليج اليوم أمام خيارات صعبة:
في خضم هذه الأحداث المتسارعة، يبدو أن دول،الخليج تمارس سياسة "الاتجاه المعاكس" بحكمة وتبصر. إنها لا تريد أن تكون ورقة في لعبة القوى الكبرى، ولا ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، بل تسعى لأن تكون لاعباً أساسياً في رسم مستقبل المنطقة. هذا الموقف لم يأت من فراغ، بل نتاج رؤية استراتيجية تدرك أن المنطقة لن تنعم بالاستقرار إلا عندما تتحول من مربع الصراع إلى مربع التعاون والتنمية،
إن ما يحدث اليوم من تردد خليجي في الانخراط في الحرب ليس ضعفاً كما قد يظن البعض، بل هو قوة وحكمة، وإدراك أن المعركة الحقيقية هي معركة المستقبل، وأن الانتصار فيها يكون بالتنمية والاستقرار وليس بالدمار والصراع.