مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

معادلة مكة وإعادة توازن الردع في الشرق الأوسط بقلم د.محمد حسين أ.القانون الدولي

2026-08-08 07:53 PM  - 
معادلة مكة وإعادة توازن الردع في الشرق الأوسط بقلم د.محمد حسين أ.القانون الدولي
دكتور محمد حسين
إعلان بنك saib

تجاوزت التفاهمات الأمنية المتصاعدة بين الرياض وإسلام آباد وأنقرة، المترسخة تحت مفهوم "اتفاقية مكة للدفاع المشترك"، حدود المناورات العسكرية التكتيكية لتسجل لحظة فارقة في التخطيط الاستراتيجي للشرق الأوسط. إننا لا أمام مجرد حلف عسكري تقليدي، بل أمام إعادة هيكلة صريحة لمعادلات الردع عبر الاستناد إلى كتلة إسلامية تجمع المال والتقنية والردع النووي في سلة واحدة.
    تكمن القوة الحقيقية لهذا الطرح في حمولته الرمزية والدينية؛ فاختيار "مكة" كمظلة مرجعية لم يكن محض مصادفة جغرافية، بل خطوة محسوبة لإسباغ مشروعية روحية وأخلاقية جامعة تتجاوز التجاذبات المذهبية والقومية. هذه التسمية تحول التفاهمات الدفاعية من مجرد ترتيبات سياسية عابرة إلى ميثاق لحماية المقدرات، مما يمنح هذا المحور قوة ناعمة هائلة توازي ثقله العسكري.
    تأتي هذه الحركة في لحظة فارقة لتعويض حالة الانكفاء والعجز العربي الممتدة، محاولةً سد الفراغ الاستراتيجي عبر استدعاء العمق الإسلامي الحاسم. إن الاندماج بين التفوق التصنيعي العسكري لتركيا بصفاتها دولة أطلسية، والردع النووي الباكستاني، والمركزية السعودية الماليّة والروحية، يخلق خيارًا أمنيًا بديلًا عن الاتكال المطلق على المظلة الأمريكية التي باتت تتسم بالتقلب والضبابية. ولا يهدف هذا الحلف لإنهاء الوجود الأمريكي بالكامل بقدر ما يسعى لتقليل الارتهان له وفرض معادلة الاعتماد الذاتي.
    في المقابل، يقرأ التخطيط الاستراتيجي الإسرائيلي هذا التقارب ببالغ القلق. إن تشكّل ظهير إسلامي متماسك يقلّص من حرية الحركة الإسرائيلية ويضع حدًا لسياسة فرض الإرادة المنفردة، مما يوفر إسنادًا غير مباشر للقضية الفلسطينية في أحلك لحظاتها. وفي ملف أزمة غزة تحديدًا، يرفع هذا التكتل كلفة المغامرات الإسرائيلية ويمثل حائط صد أمام مخططات التهجير وتصفية القضية، مفعلًا أوراق ضغط حقيقية في مفاوضات اليوم التالي ووقف العدوان.
    أما على الجبهة الشرقية، فتجد طهران نفسها داخل (كماشة ) استراتيجية ضيقة. ينطوي هذا الحلف على رسالة حازمة تكبح التمدد الإيراني وتقلم أظافر شبكات الفاعلين من غير الدول؛ إذ إن أي استهداف للعمق الخليجي بات يواجه احتمال تفعيل التزامات دفاعية متداخلة. وتزداد الضغوط على إيران مع الحضور التركي الكابح في شمال العراق وسوريا والضبط الباكستاني لراوابط الحدود الشرقية، مما يحرم طهران من الاستفراد بمعادلات الملاحة وأمن الخليج. كنا نتمنى دخول إيران في هذا الاتفاق لكن ليس كل ما يتمناه المرء يُدركه - وبالطبع هو أمر شديد الصعوبة. 
أما الموقف المصري، ورغم التخوفات  المشروعة من تزحزح مركز الثقل الدفاعي نحو مثلث (الرياض-أنقرة-إسلام آباد) وما قد يفرضه ذلك من ضغوط على نفوذها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، إلا أن الاتفاق يحمل مكاسب غير مباشرة للقاهرة. فبشكل عام حضور قوى إسلامية معتدلة في معادلة الشرق الأوسط مناهضة للمشروع الصهيوني في المنطقة أمر إيجابي للدول العربية عمومًا وللدولة المصرية خصوصًا.  وبشكل خاص فهو يخفف الأعباء الدفاعية عن الجيش المصري عبر كبح الأطماع الإقليمية بالخليج، ويشكل سندًا جيو-سياسيًا للموقف المصري الرافض لتهجير أهل غزة. علاوة على ذلك، يتيح هذا المشهد لشبكة العلاقات المصرية المتوازنة فرصة لعب دور المحرك السياسي والوسيط بين هذا التكتل العسكري وبقية القوى الدولية. 
إن "معادلة مكة" تؤكد أن المنطقة قد دخلت بالفعل عصر التحالفات المرنة والردع الذاتي. ورغم ما يحمله هذا الحلف من قدرة على محاصرة النفوذ الإيراني وإرباك الحسابات الإسرائيلية ودعم الحق الفلسطيني، فإنه يفرض على السياسة الخارجية المصرية الابتكار المستمر لأدوات تأثيرها لضمان استمرار محوريتها التي لا غنى عنها في معادلة الشرق الأوسط.

مساحة إعلانية