مساحة إعلانية
تتجه الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس ترامب نحو إنشاء ما يُسمّي «مجلس السلام الدولي في غزة» والذي ستقسم فيه العضوية إلي فئتين: دول تتمتع بعضوية دائمة تمنحها نفوذاً مستمراً داخل المجلس وأخري غير دائمة لفترة محدودة
علي السطح يبدو المجلس مبادرة للسلام، لكن التحليل السياسي يكشف أبعاداً أعمق تتجاوز القطاع الفلسطيني نفسه لتصبح غزة ساحة لتجربة إعادة هندسة النفوذ الأمريكي في المنطقة
الخطوة تعكس اتجاهاً لربط السياسة بالاقتصاد حيث يمكن أن تُستخدم العضويات المالية كوسيلة لتفعيل النفوذ وتكرار تجربة دمج القوة الاقتصادية بالسياسة الخارجية بما يشبه استراتيجية الاستثمار في مناطق استراتيجية كما يفعل مطورو العقارات الأمريكيون. من هنا تظهر إمكانية النظر إلي غزة عبر نموذج الريفيرا الفرنسية وتحويلها إلي وجهة سياحية وتجارية متقدمة تُدار استثمارياً بآليات سياسية مع بقاء مخاطر تهميش السكان الأصليين إذا لم تُدمج مصالحهم في أي خطة تنفيذية
علي الصعيد الدولي يمكن اعتبار هذا المجلس اختباراً جديداً لمستوي التعاون والتنافس بين القوي الكبرى. فإدارة ترامب قد تري في إنشاء كيان موازٍ لمجلس الأمن فرصة لإعادة صياغة قواعد اللعبة العالمية وتقديم نموذج مبسط للنفوذ الاقتصادي السياسي حيث تُحسَب القوة المالية بنفس وزن القوة العسكرية ويصبح التمويل أداة ضغط واستراتيجية لتحقيق مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط
بالإضافة إلي ذلك فإن إنشاء هذا المجلس قد يفتح باباً جديداً للتنافس الإقليمي إذ ستضطر الدول العربية نفسها إلي إعادة تقييم موقعها في اللعبة السياسية والاقتصادية حول غزة. فمن شأن ربط العضوية بمصالح مالية وسياسية أن يخلق ديناميكيات جديدة للتحالفات ويضع بعض الدول أمام خيارات صعبة: المشاركة والتأثير في المجلس أو الانسحاب والمخاطرة بفقدان جزء من النفوذ الإقليمي. هذا يجعل ما كان يبدو في البداية مشروعاً محلياً مرتبطاً بغزة قضية استراتيجية متشابكة علي نطاق إقليمي ودولي
أما بالنسبة للسكان المحليين في غزة، فالتحدي الأكبر يكمن في ضمان ألا يتحول القطاع إلي مجرد مشروع استثماري بعيد عن مصالحهم وحقوقهم. أي خطة مستقبلية يجب أن توازن بين إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية وبين الحفاظ علي البنية السكانية والاجتماعية وإلا فإن المشروع قد يتحول إلي إعادة توزيع غير إرادية للسكان مع تغييرات جذرية في البنية الجغرافية والسياسية للقطاع.