مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

كريم صبحي يكتب :  غزة.. جغرافيا القدر وقنبلة هيكل الموقوتة

2025-09-24 10:09 PM  - 
كريم صبحي يكتب :  غزة.. جغرافيا القدر وقنبلة هيكل الموقوتة
كريم صبحي
منبر

في السياسة تتبخر الوعود كما يتبخر الماء، وتتهاوى التحالفات كخيوط واهية، أما الجغرافيا فتبقى ندبة عميقة لا يداويها الزمن. وعلى خريطة العالم العربي يقف شريط ضيق اسمه غزة، مساحة صغيرة، لكنها تحمل في جوفها من الألم ما يثقل قارات كاملة.

حين تحدث محمد حسنين هيكل قبل سنوات طويلة، لم يكن يروي حكاية عابرة عن رابين وميتران، بل كان يستشعر مصيرًا يتربص بنا. رأى غزة قنبلة معلقة في الهواء، عبئًا تبحث إسرائيل منذ زمن عن منفذ يلقيه بعيدًا، بحراً يبتلعها أو حدودًا تدفعها خارج سياقها. واليوم، وقد خنق الحصار أرواح أهلها وحوّل حياتهم إلى انتظار لا ينتهي، يتردد صوته كأنه قادم من زمن بعيد ليقول لنا ما لم نرد سماعه: غزة ليست خبرًا عابرًا، بل قدر جغرافي لا يمكن الهروب منه.

حكى هيكل عن ميتران الذي رآها كابوسًا، وعن رابين الذي وصفها بالعبء عديم القيمة. ومنذ عام 1967 لم تنظر تل أبيب إلى غزة كأرض مقدسة أو مكسب استراتيجي، بل ككتلة خانقة من البشر، ورأت في انسحابها عام 2005 مجرد خطوة للتخلص من هذا العبء مع إبقاء الحصار محكمًا عليها.

كان هيكل يدرك أن المصير لن يقف عند حدود التحليل، وأن إسرائيل لن تكفّ عن البحث عن مخرج: إغراق غزة في فوضى تحوّلها إلى سجن داخلي، أو دفعها نحو مصر عبر اللاجئين والضغوط. لكن العرب اكتفوا بالابتسام لسرديته، تعاموا عن التحذير، وتركوا الكلمات تتحول إلى صدى بعيد.

زاد الانقسام الفلسطيني الجراح عمقًا، فباتت غزة كيانًا قائمًا بحد ذاته، يحمل سلاحه وأوجاعه، ويثقل على مصر التي تجد نفسها مشدودة إليه بجغرافيا لا فكاك منها . صار معبر رفح شريان حياة لأهل غزة وخط نار لمصر، وكل حرب تندلع هناك تؤكد أن السياسة متغيرة وهشة، فيما الجغرافيا أقوى من كل حساب.

وصايا هيكل كانت أشبه بصرخة: أن غزة ليست أزمة عابرة، وأن جائعها لا يوقفه سور ولا سلك شائك، وأن تحويلها من قضية فلسطينية إلى ملف مصري هو خيانة لجوهر الصراع، لأن أصل الحكاية هو الاحتلال الذي ما زال جاثمًا على الأرض.

وفي النهاية لم يترك هيكل قصة للتسلية، بل ترك وصية مغموسة بالحزن: غزة ستبقى قنبلة موقوتة، والسؤال ليس إن كانت ستنفجر، بل على من ستقع شظاياها. إسرائيل تراها كابوسًا، الفلسطينيون يتمسكون بها رمزًا، ومصر تجد نفسها أسيرة لجغرافيتها، سواء شاءت أم أبت. وما لم نستعد، سنسمع من جديد حكاية رابين وميتران، لكن هذه المرة لا كذكرى تروى، بل كقدر يفرض نفسه بمرارة ودموع.

مساحة إعلانية