مساحة إعلانية
أعادها تهشُّم أوراق الشجر تحت عجلات السيارة إلى ذلك الخريف البعيد. حاولت التلهي بالقراءة كي تطرد تلك الذكرى المشؤومة، لكنها فشلت. تابعت الكلمات والسطور بلا وعي، وطافت عيونها بين الصفحات، لكنها لم تترجم أي معنى.
ضجة الطريق لم تفلح في إخماد الأفكار المستعرة في عقلها. وجهه يلاحقها، وظله يلتصق بزجاج النافذة. تطبق الكتاب، تتشنج شفتاها، وتتمتم: – آه يا أخي الحبيب! كم اشتقت إليك! ألم تشفع لي اعتذاراتي وأنّات الفراق كي تصفحَ عني؟! ألا تكفي تلك السنوات التي عشتها محتجزة بين جدران الذنب وسياط الندم؟ كم كنت فتاة حمقاء! أردت فقط مشاكستك، ودفعتك برفق. لم أتخيل سقوطك المفزع، وتحطُّم روحك مع عظام وجهك. نظرتك الذاهلة ما زالت تطاردني، تحملق في كل ليلة، وتتدلى كخيوط عنكبوت، تطبق على قلبي لأختنق وأموت وأنا على قيد الحياة. تلك الندبات التي حملتها معك طوال سنوات، انعكاس صورتك المشوهة في مرآتك، آثام لا أعلم كيف أكفِّر عنها.
كانت السيارة تتأرجح فوق الطريق الملتوي، تحملها لوجهتها. عندما اقتربت من بلدتها، تساءلت:
– تُرى، هل ستغفر تلك المرة، أم أعود خائبة كالعادة؟!
لاحت لها البيوت، حينها ارتفعت دقات قلبها كدوي طبول الحرب، يحدوها الأمل في لقاء صفح بلا خيبة جديدة. توقفت السيارة بجوار شجرة عملاقة، تفرد أغصانها كأيادٍ ممتدة ترحب بالضيوف. حينها جذبت حقيبتها بيد مرتعشة، وقفزت إلى جانب الطريق. اقتربت من الشجرة تسترجع كل ما كان، ثم أخرجت فأسًا، وضربت جذعها بقسوة. توالت الضربات بلا توقف. تجمع بعض المارة، ضرباتها متلاحقة، وحبات العرق تكسو وجهها، وتتسابق أنفاسها في صراع محموم. تلفتت حولها تفتش عنه، ولم تجده. أكملت بلا رحمة. حاول البعض منعها؛ لكنهم فشلوا. أذنها تنصت، تحاول التقاط صوته، ثم ترتد يائسة، فتطعن قلب الشجرة، فتنزف، تشاركها حزنها. الهمهمات تزداد حولها، والنسوة يقصصن حكايتها معه. ثم توقفت الحوارات فجأة، وطوَّق المشهد صمتٌ حذر.
خطوات تسحق بقايا عالقة مذ خانته الأغصان هنا. اقترب منها، وربت بكفه على كتفها. ابتلعت الشجرة نزيفها، وانتهت الطعنات. ومن دون أن تنظر خلفها، اختلست ابتسامة خجولة تتوارى من الحضور، أمسكت كفه، وتمتمت: الآن صالحت الخريف.