مساحة إعلانية
الساعة الرابعة والنصف صباحًا...انتفض من نومه مذعورًا، عيناه تائهتان زائغتان، يهرول باحثًا عنه. توقف فجأة... كأن شيئًا صفع ذاكرته، فأطبق عليه الصمت.
جرّ قدميه خائر القوى. كم يبدو متماسكًا أمام الجميع، كأنه جبل لا تهزه أعنف الصدمات! , نظر إليها؛ أوهمته أنها نائمة حتى لا تزيده رؤيتها انكسارًا.
أحبها من أول نظرة؛ نظرة عابرة، وجد فيها كل حياته، ووجدت فيه روحها.
أقسمت ألا تتزوج، وألا تضع روحها تحت مقصلة المسؤولية. منذ نعومة أظفارها، كانت مسؤولية أسرتها تقع على عاتقها.
آهٍ من أمي، التي كانت تضع كل عام مولودًا لتثبت أنها أنثى؛ حظها التعس جعلها كبرى أخواتها التسع!
«احملي هذا... هدهدي هذه... تعبتُ من هذه الكلمات...»
قابلته... فنسيت معه قسمها.
وافق على شرطها: ألا يكون هناك أطفال في حياتهما.
توالت الأعوام ولم يفتر الحب، لكن ظل شيئًا ناقصًا. كانت تلمحه في عينيه حين يرقب الأطفال، وفي تلك الرعشة الحانية التي تسري في جسده وهو يضم أحدهم إلى صدره، كأنه يربّت على قطعة من قلبه.
عرفت حينها كم كانت أنانية... وأنها لا تحبه بما يكفي لتسعى إلى إسعاده بحقه الطبيعي في أن يكون له ابن يكبر أمامهما، يتقاسمان معه حلمهما؛ ينتظران أول كلمة ينطقها، وأول خطوة يخطوها، ويطيران من الفرح.
قررت أن تفاجئه بخبر حملها؛ أرادت أن تعيد الأمل إلى روحه، بعد أن أوشك أن يخبو.لم يصدق ما سمعه. ظل يقفز من السعادة كطفل صغير وجد الحلوى أخيرًا، وتشبث بها بين يديه، يأبى أن يفرّط فيها.
منذ أن سمعا نبض قلبه، وشعرا بحركاته، إلى أن جاء اليوم الذي أطل فيه بنور وجهه على الحياة، فملأ حياتهما روحًا لم يعتاداها من قبل.
كبر أمامهما، يخطو خطواته الأولى ممسكًا بأيديهما.
كم كانت قاسية على نفسها قبل أن تكون قاسية عليه بذلك الشرط الذي حرمهما من السعادة التي تعيشها الآن، ودعت الله أن يديمها عليهما.
فتحت عينيها ببطء، ومدت إليه يديها.
شدّها إليه، واحتضنها كما احتضن كريمًا يوم كان يركض ببراءة وسط السيارات؛ لم تلتفت روحه الصغيرة إلى صراخهم وذعرهم...وأغمض عينيه...في أعماقه، ظل كريم يركض... يضحك... ويحلق بعيدًا.