مساحة إعلانية
لسنواتٍ طويلة قاوم الوحدة واليأس بالنحت على الخشب؛ ذلك العشق الذى تسلل إلى روحه حتى استوطنها كاملة. لم يكن هو من يختار الأخشاب، بل هى التى تختاره، لتسلم له جسدها الصامت فيعيد تشكيلها، ويمنحها بعضًا من روحه تجعل من يراها يتمتم: الله.
حياته البائسة فى نظر الآخرين كانت تتحول إلى جنةٍ سرية كلما أغلق عليه بابه، واختلى بمحظياته الخشبيات. يتجول داخل بيته الصغير، غرفة وحيدة وحمام بلدى، كسلطانٍ عاشق يتفقد حرملكه، باحثًا عمّن ستشاركه العشق تلك الليلة.
وما إن يقع اختياره، حتى ينسلخ من الواقع، ويدخل عالمه الموازي؛ ساعاتٍ لا يحصيها، قطعةٌ تأخذ منه ثلاثًا أو أربعا، وأخرى تبتلعه ثمانى ساعات، وأحيانًا أيامًا كاملة. ينسى الطعام، ينسى الماء، يهمل صحته وأعماله، لكنه أبدًا لا ينسى عشقه الأبدى...
كانت موهبته، التى حباه الله إياها، سبب شقائه وسعادته معًا. عمله البسيط فى بيع وشراء الروبابيكيا لا يدر عليه ما يكفى، لكنه كان راضيًا ما دام قادرًا على ممارسة ما يحب. بل إن جمعه لكل ما هو قديم ومهمل أتاح له امتلاك كنزٍ من الأخشاب الصالحة للنحت، شراءً أو التقاطًا من الشارع.
ذات يوم رافقه طالب من كلية الفنون الجميلة لشراء بعض المستعملات.
وما إن دخل الغرفة حتى ظن نفسه داخل متحفاٍ صغيرا. تساءل مذهولًا عن مصدر هذه التحف، وعن أثمانها الباهظة. لم يصدقه حين قال إنه هو من صنعها، حتى رآه بأم عينيه يعمل بأدوات بدائية، فاستأذنه فى استعارة بعض القطع للتعلّم، ولم يمانع.
عرض الطالب الأعمال على رئيس القسم، الذى صُعق حين علم أن صانعها مجرد هاوٍ. ومنها وصلت إلى عميد الكلية، الذى رأى أن هذه الموهبة أكبر من أن تُقيد بالدراسة، وأنها فطرية أصيلة، قد تحترق داخل القوالب الأكاديمية. لكنه اقترح تكريمه ووضعه على الطريق الذى يليق بفنه.
وذات يوم، كعادته فى تفقد الشارع، لمح قطعة خشبية ضخمة ملقاة قرب إحدى الترع. كانت أكبر من جسده النحيل، ولا سبيل لنقلها. وقف أمامها منبهرًا، كعاشقٍ فى موعدٍ مستحيل. همّ بالانصراف، لكنه سمع أنينًا خافتًا. التفت، فلم يجد سوى الخشبة.
أقنع نفسه أنه يتوهم، ثم سمع الصوت مرة أخرى. لم يكن مجنونًا. كانت تناديه.
اقترب منها وهمس: لن أتركك وحيدة مثلى. وبمشقةٍ بالغة حملها على كتفه، وسار بها أكثر من ثمانية كيلومترات. كاد قلبه يتوقف، وغرق جسده بالعرق حتى بدا كمن خرج تواً من الترعة. وحين وصل، أنزلها وتأملها بعين عاشقة.
مرت الأيام، هى واقفة شامخة أمامه، وهو واقف أمامها وبجوارها، يحدثها ويصغى. يسألها ماذا تريد أن تكون، وينتظر جوابها. حتى جاء اليوم الذى باحت له بسرّها. يومها ابتسم وقال: حسنًا… فهمت.
وضعها برفق على طاولة حجرية، أخرج أدواته، وبدأ طقسه المقدس. لأيامٍ طويلة لم يغادر البيت إلا للضرورة، ومثله لا يفتقده أحد.
فى احتفال الجامعة المئوى، تقرر تكريمه وإقامة معرض لأعماله. بحث عنه الطالب طويلًا، ثم قصد بيته النائى.
طرق الباب بلا جدوى. استعان بجار لكسره. دخلوا فوجدوا البيت خاليًا. قال الجار وهو ينصرف: معتاد على الغياب.. منعزل.
كاد الطالب يخرج، لولا أن خطفت بصره خشبة ضخمة مهيبة. جذع نخلة، منحوت فى قلبه، تلتف حوله وجوه أطفال، وعصافير، وزهور، بدقةٍ تخطف الأنفاس. اقترب أكثر، فرأى حروفًا بارزة بخط نسخى جميل، تقول:
ظننت أننى من حملها
ولم أدرِ أنها هى من ستحملني
لا تخرجونى منها
فقط.. أهيلوا علينا التراب.