مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

قصة قصيرة : السر فى بير... بقلم إيمان العطيفي

2026-07-22 05:49 PM  - 
قصة قصيرة : السر فى بير... بقلم  إيمان العطيفي
المبدعة إيمان العطيفي

- سأترك هذا العالم واذهب إلى حيث يوجد طفلي

- لكن طفلك لا وجود له ،لقد خلقته من خيالاتك وأوهامك الجامحة

- وهذا ما تفعله كل أم!!!

-حين تأسرك الوحدة ،تطاردك قدرات لا ترغب فى مواجهتها .

-الساحرة النورانية ،مخلوقة من سحر ممزوج بالنور والنار ،يمكنها خلق واقع كيفما تشاء، حيثما تشاء ،لا يستطيع مخلوق كبت جماحها ،ولا تلجيم شيطانها الذى يقاوم ظلمة حبسته فيها من زمن بعيد.

- لو صالح الحظ ايامك ،سيتحول الخريف إلى ربيع ،والمجاعة إلى وليمة ،والعدو الى حبيب ،وسترزقين بطفلك الذى تتمنين،قفي أمام البئر ،أغمضي عينيك ،اغمسي رأسك فيه ،ركزي كل تفكيرك فى مكان وزمان نفسك تكوني فية ،خذي نفسا عميقا ،انقلي احساسك لعقللك ،دوبي فيه ،ثم انقليه لقلبك ، لا تحكي أي شىء رأيتيه ،خذي نفسا اعمق ،صرخت فى وجهها :

-ارجعي افتحي عينك

طرقعت بأصبعيها الوسطى والابهام امام عينيها مباشرة ، ذهبت إلى حيث سرقها والدها من سريرها طفلة لم تتجاوز العاشرة من عمرها ،وفر بها هاربا ،تاركا امها تغط فى مرض عميق ،اقتربت من الفراش تحاول متابعة الأحداث التي تجهلها ،رأت والدها يعبر بها بحيرة صغيرة مستخدم دنقل للصيد مركون على الشط ،يبكي يلتفت يمينا ويسارا فى خوف شديد ،كانت تصرخ تنادى على امها ،لم تحب والدها ابدا ،لم تغفر له حرمانه اياها من حنان الأم .

ركض طيفها مرة أخرى إلى غرفة النوم بعد سماع صرخة شقت صمت الليل من خالتها ،رجل غريب يقف بجوار الفراش ،يرتدى زيا أبيض ،وقناع غريب حول وجه إلى خنزير مقيت ،يأمر بنقل المريضة الى مستوطنة الحجر الصحي خلف الجبل ،وحرق المنزل بالنار ،بعد ما فشلت المحاولات الطبية في تطهيره وانقاذ ساكنيه من الكوليرا.

ألتفتت إلى العرافة يغلبها خوفها ،وتحجب دموعها الرؤية ،لم يبد على وجه العرافة اندهاش والتي تابعت حديثها بكل هدوء وهي تحرك يدها بلطف في ماء البئر

- عشر سنوات صبر ،عشر كاسات مر،عشر حبات حنضل ،عشر ورقات سدر .

يتم طحن الجميع بقوة ومهارة بحركات دائرية فى هون نحاس أصفر غامق ،بصمت مطبق ،اذا اصدرتِ صوتاً فشلتِ  ،تتعاطى الخلطة يوميا ثلاث جرعات قبل الأكل ،وجرعة مكثفة أثناء النوم .

من شروط نجاح الوصفة ،ملازمة الكوابيس الليلة ،وربما زحفت قصرا للنهار ،جفاف مستديم فى الحلق ،مغص في الأمعاء يشبه عصارة الزيتون اليدوية ،انسداد فى شرايين القلب ،مع فشل كلوي.

يوصى بإضافة ملعقة من الخلطة إلى ثلاث ملاعق من الحناء البودر وملعقة من قشور الرومان المحمص والمطحون سابقا ،للحصول على لون أبيض لامع كالبدر لشعر الرأس .

كما ينصح بإضافة ملعقة ونصف على الماء للاستحمام به مرة كل اسبوع على الأقل ،للحصول على عظام هشة وخشونة مفاصل وانزلاقات غضروفية متعددة المسميات، بالإضافة إلى سوء طالع أسود من جناح الغربان ،غربة موحشة وسط الأهل ،انفصام شخصيات متعددة (شخصية واحدة لا تكفي) ،وحياة مبتورة القدمين تزحف فى مستنقع التماسيح .

إذا تم المطلوب ،فابشري و تذكري.....

لا تصدقي كل ما يقال لك أو عنك .

قد يقال مشؤومة، مجذوبة ، ولية ،قديسة،من أهل الخطوة .

كوني حذرة فأنتِ فعليا لا تملكين من جسدك خطوة ،وليس لك علم بالأرواح ،لتتحسسي خطواتك الروحانية .

لا تدعي أنك صابرة لتنولي اجر الصابرين ،فانت لم تخيري بين  الأصلح والأسوأ فاخترت أكلحهم لتنالي شرف الشهادة.

بهذا نبأتها "شَبكات" عرافة الجبل ،ذهبت إليها تشكو حظها فى يوم حار نار نهارا معتم غطيس ليلا ،دلتها عليها غريبة مرت على دارها فى العاشر من أكتوبر 2010،لم ترها من قبل ،برغم تجاعيد شيخوختها الظاهرة ،وكرمشة جلدها ،الا انها ذات وجه مريح ،وكأنك تعرفها منذ نعومة أظافرك .دقت على الباب ،فتحت لها "همس "فى بادىء الامر ظنت انها شحاذة ،اسرعت بتقديم رغيف عيش شمسي وقطعة من الجبن القريش لها ،رفضت العجوز استلامهم وطالبتها بدفع عشرة جنيهات ،لتدلها على من يغير مسار عجلة الحظ التى طالما لفت بالمعكوس ،اعتذرت همس لعدم امتلاكها عشرة جنيهات ،خبرتها العجوز ،ان تحت دكة السقيفة القديمة عشرة جنيهات ،سقطت منذ زمن وغطاها التراب، ضحكت همس على خرافاتها، صممت العجوز وطالبتها بلهجة آمرة بإحضار ها من تحت الدكة ،رفعت همس فراشية الدكة المصنوعة من الصوف المقزز يدويا ،لترى كومة من التراب استغربت تواجدها ،هى تكنس السقيفة وترشها بالماء يوميا ،نظرت لكومة التراب ،ثم للشحاذة بخوف ،انحنت، أزاحت الاتربة ،ظهرت ورقة من فئة العشرة جنيهات بحجم الكف ،لونها احمر ،هى تذكر أمثال هذه العملة ،كانت على أيام جدها الشيخ ،توقف التعامل بها من سنوات طويلة ،لوحت  بالورقة فى الهواء لنفض الأتربة  ، صرخت الشحاذة من بعيد :

-هاتيها زي ما هيه.

سلمتها الورقة الحمراء ،قبلتها ،تبسمت بعد زفير وشهيق شق صمت المكان واردفت

: اذهبي الى جبل العرابة المدفونة  ،اصعدى الجبل وحدك ،لا تخشي شيئا فسكان الجبل طيبون ،يحرسون الزوار ذهابا وايابا ،لا تسألي مخلوق عن العنوان ،سيدلك الجبل نفسه حتى تصلي الي بحيرة صافية كوجه السماء ،دورى حولها نصف دائرة ،ستجدى شجرة كبيرة جدا ،وكأنها شجرة ادم ،خلف الشجرة عشة من بوص الذرة ذات باب من جريد النخل اليابس ،امامها طلمبة ماء يدوية حمراء ،قفي تحت الشجرة فى اتجاه العشة وانتظري نداء باسمك ،خذى معك غيار كامل من ملابسك ،و مسمار حدادى بطول عشرة سم جديد لم يستعمل من قبل .

مدت الشحاذة يدها ،احكمت قبضتها على غلقة الباب الخشبية ،جذبتها نحوها ،اغلقت الباب ،واختفت.

نفذت همس المطلوب حرفيا ،من يدري ربما دقت ساعات الحظ اخيرا .

وتحت الشجرة تسمرت عيناها باتجاه العشة ،سمعت خشولة للباب الجريد ،أعقبه صوت احن من الحنين ذاته يناديها ،تقدمت بخطى مرتجفة ،فتح الباب لحاله بدون حاجب ولا حاجز ،رأتها تجلس على حرام صوف قديم متهالك ،امامها قلة موضوعة فى طاسة ألومنيوم مغموسة فى الماء ،وبعض صحاف فخارية للأكل ،ومنقد نار للبخور , جميلة بقدر يحتار الجمال فى صياغته , تبسمت فى وجهها وأشارت لها بالجلوس امامها قائلة:

-أنا "شَبَكات" , وانت ؟

-همس الليل

- الله اسمك جميل ولكل منا حظ من اسمه ياهمس .البحيرة رايقة قدامك روحي إسبحي ،إغسلي جتتك مليح ،وسيبى خلقاتك اللى عليكي ع الشط ،لا تاخديهم ولا تلمسهم ايدك تاني ،ألبسي غيارك النضيف ،متنشفيش شعرك ،خليه يصب الميا وانت ماشية على كتفك ،اطلعى من البحيرة ع الشجرة حافية من غير مركوب ودقي مسمارك فيها وتعالي على طول.

نفذت همس المطلوب بالحرف، لم تخشى العري ،مفيش صريخ بن يومين فى المكان ،شىء ما يناديها من قاع البحيرة ،لم تشعر بهذه الراحة النفسية من قبل ،شىء لا تدركه حواسها ،يضغط على راسها حتى يختفى جسدها تماما تحت الماء ،تم ينترها مرة واحدة للسطح ،المتعة هنا غلبت قيود الخوف ،خرجت من البحيرة حافية القدمين، الشجرة التى ظللتها قبل دقائق لم يكن بها مسمار واحد ،والآن الشجرة مليئة بالمسامير المدقوقة من كل اتجاه ،وكأن العالم كله جاءها يستطلع حظه.

عادت همس إلى شَبَكات التى خبرتها بدورها على اسرار الرقم عشرة فى حياتها كما سبق ذكره  بعد ان كشفت الغطاء عن بئر صغير ،محاط بشكل مرتفع عن الأرض وكأنه زير صنع من حجر، تعجلت همس البشرى ،صرخت فى وجه العرافة :

-ها ؟! وبعد العشر سنين ايه هيحصل لي يا خالة ؟

غطت العرافة بئر الماء ونظرت إليها وقالت ببرود تام :

-هتتعودي يا بتي.

 

مساحة إعلانية