مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

علاء أبو إبراهيم يكتب : حين يتحول الخلاف لقتل القلوب .!

2026-09-05 10:43 AM  - 
علاء أبو إبراهيم  يكتب : حين يتحول الخلاف لقتل القلوب .!
علاء أبو إبراهيم
إعلان بنك saib

تولد الأفكار من رحم الاختلاف لتصنع الحياة، لكنها حين تموت في مستنقع الخصومة تصنع العدم؛ فالأقلام قد تتباين مساراتها على الورق دون أن تمزقه، والغيوم قد تتصادم في عنان السماء لتنجب الغيث لا الصواعق، غير أن عقولنا المعاصرة تضيق بذاتها حتى استبدلت بنبل الحوار خناجر القطيعة،  إن أشد الفواجع الإنسانية إيلاماً ليست في تباين الرؤى، بل في اللحظة الحرجة التي نسمح فيها لشرر نقاش عابر أن يحرق بستاناً من الود شُيِّدَ عبر السنين، متناسين أن اتساع الفكر لا يكتمل إلا برحابة الصدر، وأن أسمى معارك الوعي هي تلك التي ننتصر فيها على شح نفوسنا وكبريائنا الزائف، وإني لأتذكر وأنا في الصف الأول الإعدادي ، حين جلس إليّ والدي عليه رحمة من الله ورضوان يغرس في وجداني أدب الحياة ، فقال لي بصوته الدافئ المليء بالحكمة: إنه في شارعٍ من شوارع الكوفة القديمة، احتدم نقاش فقهي حاد بين إمامين من أساطين العلم: الإمام الشافعي وتلميذه يونس بن عبد الأعلى،  تعالت الأصوات، وتصلّبت الآراء، وافترقا دون أن يلتقيا في نقطة سواء،  انصرف يونس إلى بيته مشحوناً بضيق الخلاف، لكن الشافعي لم يبت ليلته تلك وفي صدره ذرة من جفاء؛ مضى في عتمة الليل يتبع نبض الأخوة، وطرق باب يونس،  فوجئ يونس بالشافعي واقفاً على عتبة داره، فلم يبادره الإمام بجدال جديد، بل أخذ بيده بحنان دافق وقال كلمته الخالدة التي خطّت بماء العيون: "يا أبا موسى؛ ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة؟"، هذه الالتفاتة الإنسانية الباذخة تُعرّي واقعنا المعاصر الذي بات فيه الاختلاف في الرأي بمثابة "تصريح بالعداوة"، والجدال العابر معركةً لكسر العظام، حيث تتحول فيه الكلمات إلى خناجر مسمومة تمزق أستار المروءة، وتفصِم عُرى الصداقات، وتهدم بيوتاً أُسست على المودة،  لقد تغلغلت هذه الآفة حتى أصبحت الخلافات تعصف بالمنازل الآمنة، وتفرق بين الأخوة الذين أظلهم سقف واحد وضمتهم دماء واحدة، بل إن شررها المتطاير تجاوز كل الحدود لِيصِلَ لظى جفائه وناره بين الأم وابنتها ؛ في مشهد يدمي القلوب ويهز أركان الفطرة السوية، إن المعضلة الحقيقية ليست في تباين العقول، بل في شُحّ النفوس وضيق القلوب ؛ فعندما يغيب وعي الإيمان، تتدخل "الأنا" المريضة ليتحول الحوار من رحلة للبحث عن الحقيقة إلى ساحة كبرياء يطلب فيها كل طرف انتصاراً زائفاً لذاته، متناسين أن الله عز وجل قد امتنّ على عباده بنعمة تأليف القلوب وجعلها من أعظم عطاءاته حين قال: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: 103]،  
وحين تتأمل الكتب السماوية، تجد هذا النداء الإنساني يتكرر بفيض من المحبة والدعوة لسلام القلوب، فجاء في الإنجيل في رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس: "لِيُرْفَعْ مِنْ بَيْنِكُمْ كُلُّ مَرَارَةٍ وَسَخَطٍ وَغَضَبٍ وَصِيَاحٍ وَتَجْدِيفٍ، مَعَ كُلِّ خُبْثٍ،  وَكُونُوا لُطَفَاءَ بَعْضُكُمْ نَحْوَ بَعْضٍ، شَفُوقِينَ مُتَسَامِحِينَ"، لتتلاقى الشرائع والرسائل كلها عند غاية واحدة: أن حماية الإنسان من غله هي أولى خطوات النجاة، لقد أورثتنا الخصومات المعاصرة بيوتاً يسكنها الصمت الثقيل، ومنصات تواصل تحولت إلى خنادق حربية، وصداقات دهرية عسفت بها عاصفة نقاش عابر،  كم هو مؤلم أن نضحي بسنوات من الود والذكريات والمواقف النبيلة لمجرد موقف لم نفهمه، أو رأي لم نرتضه ! وكم هو قارس ذلك البرد الذي يحل في الأعماق حين نرى قريباً أو صديقاً قديماً صار يتربص بنا الدوائر لمجرد اختلاف في زاوية الرؤية، متناسين التحذير النبوي الشريف الذي يقطع الطريق على الخصومة الفاجرة التي تقتات على الهجر والقطيعة، حيث يقول النبي ﷺ: "لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ"،  
ولطالما صدح الشعراء بمرارة هذا التحول، فأنشد أحدهم واصفاً أثر الخصومة وتجنب اللجاج 
تأنَّ في التماسِ المرءِ عُذراً ، ،  ولا تعجل بملامَةٍ وعَتبِ 
فكم من فُرقةٍ بدأت برأيٍ ، ،  وأفضت بعدَ ذاك لقَطعِ حبلِ 
فالكلمة القاسية في لحظة عناد قد تبني جداراً من الجفاء يعجز العمر كله عن هدمه، إن علاج هذه الفجوة الإنسانية، وحماية قلوبنا من غل الخصومة، يبدأ من امتثال الدستور الإلهي العظيم القادر على قلب عداوات النفوس إلى مودة دافئة: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34]،  إن شعار "لا تجعل الخلاف خصومة" ليس ترفاً أدبياً، بل هو نداء الأخلاق الرفيعة التي تجعلنا نتسامى عن توافه اللجاج، وبحاجة نحن اليوم إلى نبل الشافعي، وصدره الرحب، ويقينه بأن "ود القلوب" أثمن بكثير من أي "انتصار عابر في جولة جدال"، فلنعمر الجسور، ولنعترف بضعفنا الإنساني، ولنشد على أيدي بعضنا معلنين للعالم ، نختلف كعقلاء وأحبة، لكننا أبداً لا نفترق كأعداء

مساحة إعلانية