مساحة إعلانية
هؤلاء يتحدثون :
مختار عيسى: عزت الطيري شاعر مستعصٍ على التصنيف، سطحه خفيف وسهل ممتنع يصل للبسطاء، وعمقه بركاني من المشاعر والوعي.
د. نسيم عبد العظيم: حالة إبداعية نادرة وصوت أصيل ينحاز للكلمة الصادقة وملتصق بتراب الصعيد، راهن على النص أكثر من الأضواء.
د. إبراهيم عطية: "ابن النكتة" وآخر الظرفاء، يجمع بين عمق الإبداع وخفة الروح، يحول المجلس لبهجة ونكتته شكل من أشكال الحكمة الشعبية.
حاتم عبد الهادي السيد: الطيري صنع صوتاً خاصاً يمزج الأجناس الأدبية والدراما والمونودراما والإبيجراما، قصيدته قائمة على الحدث والصراع لا الغنائية الخالصة.
أيمن دراوشة: صوت متفرّد رسّخ حضوره في شعر التفعيلة، يشتغل على اللغة بوعي مختلف ويطرق موضوعات يصعب على غيره مقاربتها مع طرافة راقية وعمق جمالي.
د. إيهاب بديوي: تجربة شعرية متكاملة حافظت على أصالتها نصف قرن، لكن اختياره البقاء بعيداً عن القاهرة وشخصيته غير الساعية للأضواء حرمته تكريماً يوازي منجزه.
جلاء الطيري: أب رومانسي بقلب طفل، زعيم القرية الذي لا تُرد له كلمة، ورث صرامة جده وصوته العالي لكن دموعه تفضحه حين تحكي له ما يوجع القلب.
تحقيق مصطفي علي عمار

في نجع قطية بصعيد مصر، حيث النيل والحقول والجبال، وُلد شاعر صنع من طابع البريد سلاحاً، ومن الإبداع وساطة. لم يذهب عزت الطيري إلى القاهرة... بل جاءت إليه. خمسة عقود من الشعر، 27 ديواناً، ومسرحيتان، وقلب طفل لا يكبر. في هذا الملف نفتح دفاتر الطيري الإنسان والشاعر، عبر شهادات جميل السلحوت ولؤي حقي ومحمد الفيتوري ورفاق دربه، لنفهم لماذا قال الفيتوري: "الشعر في مصر هو عزت الطيري".
إذا كان الشعر تعبيراً عن لحظة شعور، فإن شعر عزت الطيري يؤكد ذلك كل لحظة. الرجل اللمّاح بطبعه، الذي يلتقط فكرة قصيدته وهو جالس في شرفة بيته بنجع قطية، أو وهو يمر في طرقات الحقول بين المزارعين، فيغزل خيوطها بشرايين قلبه وعاطفته الدافقة. فتأتي لغته انسيابية عذبة كخرير قناة مياه تمر عبر حديقة غنّاء، وكلماته راقصة يعلو إيقاعها، تتسلل كما خيوط ضوء القمر البدر إلى قلوب قارئيها ومستمعيها. هذا ما رآه فيه الشاعر الفلسطيني الكبير جميل السلحوت، وهذا ما أدركه كل من اقترب من تجربته.
★ الشاعر الذي جاءت إليه القاهرة
ولد عزت الطيري في 23 سبتمبر 1953 بنجع قطية التابع لمركز نجع حمادي بمحافظة قنا. ابن ناظر المدرسة المثقف، حفيد الشيخ الأزهري صاحب العمود في الجامع الأزهر. نشأ في بيت علم وأدب، تجاور فيه كتب التفاسير وصحيح البخاري مجلدات "ألف ليلة" بنسختها غير المنقحة، وكتب المنفلوطي وجورجي زيدان، ومجلة "الإثنين والدنيا"، إلى جانب اسطوانات محمد رفعت وعبد الباسط وأم كلثوم ومنيرة المهدية.
من طفولته بدت علامات التمرد والذكاء. يحكي الكاتب عاطف عبد المجيد أنه ضبطه أبوه ومعه خطابين: الأول عاطفي لزميلته في الفصل يطلب موعداً "في الهجير يوم الجمعة عند النخلات الثلاث"، والثاني لجمال عبد الناصر يعبر فيه عن إعجابه ببطولاته رغم أن والده كان يبغضه وينتقد حكمه. نال أول علقة ساخنة، لكن أبوه في نفس الوقت كان يخفي إعجابه بنبوغه المبكر وأسلوبه الذي يفوق سنه.
دخل المدرسة قبل سن الإلزام، ورفض والده "فلفل وشر" وعلمه "وزن وأخذ وزرع وحصد". قرأ كامل الكيلاني ومحمد لبيب البوهي، ثم نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس، ثم عنترة والبحتري وابن الرومي، حتى وصل إلى بدر توفيق وصلاح عبد الصبور وأحمد حجازي "مدينة بلا قلب" فأحس أن الديوان يتكلم عنه: "ذلك الولد القروي العاشق الذي يلعن المدينة ويتوق لذراع سيدة يتأبطها".
لكن التحدي الحقي كان المسافة. هو من نجع قطية، خمسمائة كيلومتر من القاهرة. فاخترع مقولته التي صارت شعار تجربته: "إذا كنت لا أستطيع الذهاب إلى القاهرة فلماذا لا تأتي القاهرة إليّ؟ سلاحي الوحيد طابع البريد ووساطتي الوحيدة هو إبداعي".
وفعلاً جاءت القاهرة. نشر أول قصيدة في "صوت الشرق" وهو في الثانوية، ثم في "الجديد" لرشاد رشدي. في جامعة أسيوط التقى بسعد عبد الرحمن ومصطفى رجب وطارق الناظر، وأسوا نادي الأدب وأقاموا الأمسيات. مثّل قنا في أول مؤتمر لأدباء الأقاليم، ثم مثّل مصر في مؤتمر الأمة الشعري ببغداد 1984 مع لؤي حقي، حيث قال له الشاعر الفلسطيني محمد القيسي: "تذكرني بشبابي". وهناك تعلم الدرس الأهم: "ألا أنتظر الوحي، بل أقتحم القصيدة وأراودها عن نفسها حتى تستسلم".
فتحت له أبواب "الدوحة" برجاء النقاش، و"إبداع" بعبد القادر القط، و"العربي" الكويتية بمحمد الرميحي. نشر في "الهلال" و"الكاتب" و"روز اليوسف" و"صباح الخير". القاهرة لم تعد مركزاً يذهب إليه، بل صارت صدى يأتيه.
★ المجدد: القصيدة اليومية والومضة ورأيه في قصيدة النثر
ظهر عزت الطيري في منتصف السبعينيات وسط جيل قصائده "الغامضة والمركبة والكيميائية والمعملية الحافلة بالألغاز". فجاء هو بقصائد بسيطة شفافة بلا عقد ولا كلاكيع، تقدم نفسها ككيان جديد دون مباشرة أو إسفاف، وبعمق دون ادعاء.
كان أول من طبق مصطلح "القصيدة اليومية" في مصر، فصارت موضة وصرعة شعرية بعد ذلك. ومن أوائل من كتب القصيدة القصيرة/الومضة/الطلقة بمعناها الحقي، متأثراً بشعراء العراق يوسف الصايغ وبلند الحيدري. أن يختصر ما يقوله الآخرون في صفحات لتقوله أنت في سطرين أو ثلاثة، هذا يتطلب حضور بديهة وتركيز شديد جداً. وهذا ما نجح فيه بشهادة الكبار.
ورغم أنه من أوائل من كتب القصيدة القصيرة/الومضة، إلا أن عزت الطيري كان صريحاً مع "قصيدة النثر". في تحقيق جريدة الزمان عدد 367 بتاريخ 23/6/2023 صفحة 11، اتهمها بأنها "السبب في تسلل الجهلاء ومحدودي الموهبة إلى الشعر العربي وسيادة السيء"، ورأى "تعارضاً بين المضاف والمضاف إليه" في التسمية نفسها. وانتقد غموض بعض نماذجها وابتعادها عن المجتمع، مؤكداً أن من يكتبونها "لا يعرفون أوزاناً ولا بحوراً ولهذا كان الفشل كبيراً". لكنه أنصف روادها: "نماذج عظيمة تلقي بالقصيدة العمودية بخطابتها إلى صناديق المهملات مثل قصائد الماغوط وأنسي الحاج".
الشاعر العراقي لؤي حقي كتب عنه: "لا أعتقد أن هنالك صوتاً ظهر بعد أمل دنقل زمنياً بأهمية صوتك الشعري المجدد بالغ الرهافة والتفرد والخصوصية... كيف تستطيع بلمسة ساحر أن تحول كل ما هو يومي بسيط إلى شعري كثيف التركيب عالي الدقة والإبهار؟".
والشاعر الكبير محمد الفيتوري قال عام 1994: "الشاعر المصري الذي يعجبني الآن... اسمه عزت الطيري. أحسست أمام قصائده أنني أمام شاعر حقي ينتمي إلى هذا العصر، ودعك من اللغو الآخر". ووصل الأمر بالفيتوري أن قال: "إن الشعر في مصر هو عزت الطيري".
الكاتب أحمد الجعفري وصفه بـ "الشاعر المُهرج هندي الملامح" وقال: "كان الدأب والاطلاع والبديهة والموهبة والذائقة والقراءة والاستماع... جميعها كانت مفردات التجدد لديه، ما جعل أكابر الشعراء والنقاد والكتاب يعرفون له مقامه بينهم".
حتى الكاتب مصطفى نصر لاحظ السر: "لماذا أحب شعر عزت الطيري؟ لأن شعره جزء منه، يعني خفة دمه ومداعباته تجدها في شعره. وكثير من الشعراء لا يفعلون هذا".
★ الإنسان القروي: قلب طفل وخفة دم موثقة
"ليس غريباً أن تسود قصيدتي روح الريف، فأنا قروي حتى النخاع". الحقول أصدقاؤه، والنيل والشجر صاحباه، والحزن نديمه الوحيد في الفضاء الممتد حد السماء وحد البكاء.
لكنه قروي مثقف جريء. كسر تابوهات اجتماعية وثقافية دفاعاً عن حرية المبدع. وتعود "ألا يترك حقه": عندما أعلنت مجلة أنها "ليست للصغار ولا للإقليميين"، أرسل لها قصيدة أمل دنقل باسم مجهول فنشرتها، ثم أرسل قصيدته الأولى باسم فتاة على ورق وردي معطر بعطر نسائي مثير، فنشرتها في المتن. "تعودت ألا أترك حقي إذا أراد أحد أن يسيء إليّ".
قلبه قلب طفل، كما تقول الشهادة التقديرية. متسامح يغفر هنات الأصدقاء. وخفيف الدم حتى النخاع، وموثقة رسمياً. يحكي أحمد الجعفري أنه في افتتاح معرض القاهرة الدولي للكتاب ذات سنة، وجّه الرئيس مبارك حديثه إلى فاروق حسني وزير الثقافة قائلاً له: "طَلَب عزت الطيري يتّنفّذ عشان معقول جداً ودمه خفيف أوي".
أشرف البولاقي يحكي موقفه في السيارة بخفة دم ومداعبة لأستاذه: "أرأيت ساقها؟" فقال على الفور: "سبحان من ساقها علينا!". ومن لا شيء يصنع قصيدة، كما قال عنه جميل السلحوت، "خلته كما أبي نواس... والله لو أردت أن لا أتكلم إلا شعراً لفعلت".
★ الإخلاص للمكان والشعر
ظل مخلصاً لمكانه الجغرافي. لم ينجذب لأضواء القاهرة، بل جذب أضواء القاهرة إليه. أسس مع عبد الستار سليم "جماعة النيل الأدبية" بنجع حمادي، وعقدت ندوات ومؤتمرات ومسابقات، خرج منها أجيال.
وأخلص للشعر وحده. رغم قدرته العظيمة على السرد وصناعة الإفيه وكتابة المقال المحكم، لم يخض غمار القصة أو المسرح أو التنظير النقدي. ديوانه الأول "تنويعات على مقام الدهشة" 1979، وآخر إصداراته "صهيل اللوز" و"بتوقيت عينيك أصحو". بينهما 27 ديواناً ومسرحيتين شعريتين: "بحيرة الظمأ" و"سيدة التفاح".
حتى اليوم، وهو في مكانته البعيد، لا يتخلف عن ركب الحداثة. الدوريات والمجلات والإنترنت تصله يومياً. يقرأ ويكتب ويجدد. ويقول: "أعتبر نفسي تلميذاً صغيراً مازال يتعلم، وأنني لم أقدم بعد ما أحلم بتقديمه".
★ الاعتراف المتأخر: ظلمه التاريخ قبل الجغرافيا
هل أعطاه النقاد حقه؟ الإجابة عنده وعند عاطف عبد المجيد: لا. برغم الرسائل الجامعية والدراسات، وحتى برغم رسالة الماجستير الجديدة "البيان في شعر عزت الطيري" لسمر عبد الواحد فهمي بجامعة كفر الشيخ 2023، بإشراف أ.د. هانم حجازي ومناقشة أ.د. محمود محمدين وأ.د. مراد حسن عباس... برغم كل هذا، لم تأخذ أشعاره حقها بعد.
كما كتب عاطف عبد المجيد في مقاله "عزت الطيري.. الشاعر الذي ظلمه التاريخ قبل الجغرافيا": الطيري الذي اختار أن يبقى في نجع حمادي في أقاصي الصعيد، لم يمنعه بقاؤه من أن يصل إلى عين وأذن القارئ في كل مكان. لكن إقامته في قريته التي لم يغادرها إلا لماماً، حرمته من أشياء كثيرة. فبعده عن أضواء العاصمة جعل من هم دونه يتسيدون الساحة وينتشرون كالجراد في كل مكان، لا عن موهبة، ولكن عن قدرة على معرفة "من أين تؤكل الكتف".
لكن عزت الطيري واثق: "التاريخ سيعطيني حقي يوماً ما بعد أن ظلمتني الجغرافيا".
هو شاعر لم يكتب كالآخرين. اختط لنفسه طريقاً تميزه، فتستطيع بسهولة أن تميز قصيدته عن غيره. أدخل عناصر الفنون الأخرى في الشعر كبنية مميزة: القصة القصيرة بمفارقتها وتكثيفها، وتقنيات السينما في صنع المشهد، وبناء المفارقة الكوميدية جزءاً أصيلاً من شخصيته.
عزت الطيري ليس مجرد شاعر من الصعيد. هو الشاعر الذي أثبت أن الإبداع لا يحتاج عاصمة، وأن طابع البريد أقوى من كل الوساطات، وأن القصيدة البسيطة الشفافة قادرة على هزيمة كل التعقيد الكيميائي.
هو آخر سلسلة الشعراء الكبار في العربية، كما قال لؤي حقي. وهو الشاعر الذي "ينام ملء جفونه عن شواردها" كما قال المتنبي.
وهو، قبل كل هذا وبعده: إنسان جميل متسامح، قلبه قلب طفل، يستحق التقديرية... فامنحوه إياها فهو يستحقها.
وهذه المقدمة، وهذه الاستضافة، وهذا الملف الكامل بشهادات جميل السلحوت، ولؤي حقي، وأحمد الجعفري، وأشرف البولاقي، ومصطفى نصر، وعاطف عبد المجيد، وشهادته هو عن نفسه... كلها خطوة على طريق ذلك الحق.
★★ وهنا تلتقي قلوب محبيه، لتبوح بكلمة حب وإجلال واعتزاز بالطيري.

★★ وفي شهادة عابرة عن الطيري يضيفها صديقه الحبيب،
نائب اتحاد كتاب مصر الأسبق، الشاعر مختار عيسى:
يستهل حديثه: من الشعراء من لا يمكنك اختصارهم في نسق، أو تحيدهم بين أسوار مدرسة، أو قولبتهم مستنداً إلى تعاليل نقدية سابقة التجهيز في معامل التثبيت الذائقي. ويستطرد: منهم من يمكنك أن تنسبه إلى كل اتجاه، وتضعه تحت أية لافتة، وتنسبه إلى جيل، وتشرعن وجوده في جماعة وإن اختصمها حيناً وآلفها آخر... ومنهم ومنهم.
لكن أن تحاول تحييز الشاعر عزت الطيري فأنت لا شك واقع في مغامرة غير مأمونة العاقبة؛ فكلما نسبته إلى مدرسة تفر منها، وكلما جيّلته خاصم جيله، وكلما ظننت أنك قابض عليه منسوباً إلى اتجاه شعري خاب ظنك. فهو مستعصٍ كالشعر ذاته على التأطير والقولبة والسجن بين قضبان تعاريف، بعضها جاهد التثبيت زمناً طويلاً، وبعضها لم يستقر به الحال بضع سنين.
ويضيف: فعزت شامل جامع، كلٌّ في واحد. وإن كانت السمة الغالبة والخصيصة الملتصقة بشعره قد توحيان بخفة التناول، والنظرة الكاريكاتورية للموقف الإنساني والرؤية الفكرية وحتى المعمار النصي؛ فهو كطبيعته الشخصية - رغم ما ينوء به جسده وتصرخ منه روحه - لا يغادر التفكه والتنكيت، حتى لتظنه يتناول الأمور من سطحها الأعلى ولا يغامر بالغوص في القيعان. فيحسب العجول أنه سهل التناول رقيق الرؤية، وإذا تحت السطح الأعلى هذا براكين من المشاعر الإنسانية: فقداً ولقاءً، خصومةً وتصالحاً، وعياً وتحليلاً نقدياً.
ويخلص إلى تعريف لهذا الفن العربي الأصيل بأن هناك "القصيدة الطيرية": العفوية رغم ما تشي به أحياناً من الصنعة والتكلف، هي الخليط بين الرومانتيكة والواقعية، بين الإيقاعية الصاخبة والهمس المقارب للنثرية. وهو يصنع نسقاً بنائياً هندسياً صارماً وفوضوياً في آن بقصيدة واحدة، لا ينازعه في ارتياد مجاليها إلا هو ولا يتوفر لغيره محاكاتها.
فشعر عزت الطيري "السهل الممتنع" على حد التعبير المبذول كثيراً في التعليق النقدي، يصل للبسطاء بأقل تكلفة، فيما يوفر للنقد الجاد طرائق قراءة متعددة.
ويؤكد أنه واحد لا شك من مظاليم المشهد الشعري المعاصر؛ صاحب قدرة فذة على التلاعب بالمفردات والصور والأخيلة، والتي قد يحاول البعض التخفيف من قوة حضورها شعرياً قياساً على ما يحاوله المتحذلقة والساعون وراء الشكول الظاهرية. لكن وبتجرد، إن حاولت إحصاء مجالات إبداعه ستجد سوقاً واسعة لا حد لها، وجذوراً منغرسة في طين الصعيد.
ويروي: بيني وبين عزت سنوات طوال من الصداقة والزمالة، لم تخل من موقف نقدي هنا أو هناك، ومن اشتباك حول قضية إنسانية أو موقف سياسي. لكن دائماً يظل عزت هو القصيدة السهلة المعقدة في آن، الصارخة الهامسة الضاحكة الدامعة، يظل القصيدة الإنسان.
ويختتم: أعتز بقصيدة طويلة عنوانها "حوارية" أهداها لي في غربتي أثناء عملي الصحفي والإعلامي الطويل في دولة الكويت، وتكشف عن قدرة عجيبة له على استكشاف دواخلي وقراءة أعماقي بصورة لا يصل إليها إلا من يعايشني صباح مساء. وليس أدل من هذا على قدرته على النفاذ إلى الأعماق كإنسان شفيف الروح، محمل بكل تكاليف الإنسانية المعذبة رغم الحضور الطاغي للنكتة والفكاهة والهزل في جلساته الخاصة وحتى في بعض مشاركاته العامة.
عزت الطيري: سطح خادع، وعمق تمور فيه البراكين موراً لا يتحمله سوى أصفياء الأرواح، أنقياء القلوب، والفلاسفة والمفكرين الجادين.

★★ و يرى الشاعر والناقد د. نسيم عبد العظيم
حين نحتفي بالشاعر الكبير عزت الطيري، فإننا نحتفي بتجربة إنسانية وإبداعية ثرية استطاعت أن تحجز لنفسها مكانة رفيعة في المشهد الشعري المصري والعربي.
عرفتُ عزت الطيري شاعراً ينحاز للكلمة الصادقة، ويكتب من قلب التجربة لا من هامشها. شاعر التصق بتراب الصعيد ونبض الناس البسطاء، فجاءت قصائده مرآةً صادقة لهموم الوطن وأحلامه.
يضيف: وقد حظيت تجربته بتقدير نقدي وثقافي واسع؛ فصدرت أعماله الشعرية الكاملة في ثلاثة مجلدات، ونال جوائز مهمة منها: الجائزة الأولى في مسابقة أبها للشعر بالسعودية، وجائزة اتحاد كتاب مصر لأفضل ديوان، وجائزة عبدالعزيز سعود البابطين، وجائزة الدولة التشجيعية في المسرحية الشعرية، إلى جانب تكريمات عربية متعددة في الشارقة والجنادرية وجرش والرقة وتونس.
لكن الأهم من كل الجوائز أن الطيري ظل وفياً لشعره وإنسانيته. راهن على النص أكثر من رهان على الأضواء، واختار أن يكون شاعراً عاملاً في صمت بعيداً عن الضجيج الإعلامي وصناعة الصورة.
وهنا تكمن قيمته الحقيقية: في صدق الموقف، ونبل الرؤية، وقدرته على أن يجعل من الشعر جسراً بين الإنسان وأرضه، بين الكلمة وضميرها.
عزت الطيري ليس مجرد اسم في سجل الشعراء، بل هو حالة إبداعية نادرة، وصوت أصيل ظل يدافع عن جماليات القصيدة العربية دون مساومة، ويؤكد أن الشعر الحقي هو الذي يبقى حين يرحل كل شيء.

★★ فيما يراه الكاتب والناقد د. إبراهيم عطية، أنه.. "ابن النكتة".. آخرُ الظرفاء.
في زمنٍ صار فيه العبوسُ سمةً من سمات الحياة الثقافية، يظل الشاعر المصري عزت الطيري حالةً استثنائيةً يصعب تكرارها. فهو شاعرٌ يحمل في قلبه روح الصعيد، وفي لسانه حكمة الفلاح، وفي ابتسامته نكتةً جاهزةً لا تخطئ طريقها إلى القلوب. لذلك لم يكن غريباً أن يصفه بعض محبيه بأنه "ابن النكتة"، وأن يراه كثيرون امتداداً لجيل الشعراء الظرفاء الذين جمعوا بين عمق الإبداع وخفة الروح.
ولد عزت الطيري في نجع قطية التابعة لمركز نجع حمادي بمحافظة قنا عام 1953، وتخرج في كلية الزراعة بجامعة أسيوط، لكنه اختار أن يزرع الكلمات بدل الحقول، وأن يروي الوجدان الإنساني بقصائده التي تجاوزت العشرين مجموعة شعرية، حتى صدرت أعماله الكاملة في ثلاثة أجزاء، لتؤكد مكانته بين شعراء مصر المعاصرين.
غير أن ما يميز عزت الطيري ليس شعره وحده، بل شخصيته الإنسانية النادرة. فمن يعرفه يدرك أنه قادر على تحويل أي مجلس إلى مساحة للبهجة. لا يروي النكتة باعتبارها وسيلة للضحك فقط، بل باعتبارها شكلاً من أشكال الحكمة الشعبية. وحين يتحدث، تتجاور الطرفة مع التأمل، والسخرية مع الفلسفة، حتى يبدو وكأنه أحد أولئك الرواة القدامى الذين كانوا يحفظون تاريخ الناس في حكاياتهم ونوادرهم.
وقد وصفته إحدى الحوارات الصحفية بأنه "آخر الشعراء الظرفاء"، لأنه يمتلك قدرة فريدة على مزج الخاطرة بالطرفة والمعنى العميق، مستنداً إلى ثراء التراث الشفهي الصعيدي وذكاء أبنائه وعفويتهم.
ينتقل بنا ويضيف: ينتمي الطيري إلى ذلك النوع من الشعراء الذين لا تفصل بينهم وبين الناس حواجز. تجده في الندوات كما تجده في المقاهي الثقافية، يتبادل الدعابات مع الأصدقاء، ويصنع من المواقف اليومية مادةً للضحك والتأمل معاً. ولعل هذه الروح هي التي انعكست على شعره، فجاءت قصائده قريبة من الناس، مشبعة بصور الحياة اليومية، وممتلئة بعبق القرى الجنوبية وحكاياتها.
وفي تاريخ الأدب العربي عرفنا شعراء كباراً جمعوا بين الشعر والظرف؛ من أمثال أبي دلامة وأشعب في مجال النوادر، ثم شعراء العصر الحديث الذين كانت المجالس تزداد بهجة بحضورهم. غير أن عزت الطيري يمثل نموذجاً معاصراً لهذا التقليد الجميل؛ فهو شاعر لا يكتفي بكتابة القصيدة، بل يضيف إليها حضوره الإنساني وروحه المرحة.
ولعل أجمل ما في شخصيته أنه لا يتصنع الظرف، ولا يبحث عن الضحك من أجل الضحك، وإنما تأتي النكتة عنده كما يأتي الشعر؛ عفويةً وصادقةً ونابعةً من خبرة طويلة بالحياة والناس. لذلك يحفظ أصدقاؤه عشرات المواقف الطريفة التي كان بطلها، كما يحفظ القراء عشرات القصائد التي كتبها بروح الشاعر الحقي.
إن الحديث عن عزت الطيري ليس حديثاً عن شاعر فقط، بل عن حالة ثقافية وإنسانية نادرة. شاعرٌ يحمل وجع الصعيد وأحلامه، ويملك في الوقت نفسه قدرةً مدهشة على نشر البهجة. لذلك سيبقى في ذاكرة أصدقائه وقرائه "ابن النكتة"، وأحد آخر الشعراء الظرفاء الذين أدركوا أن الابتسامة قد تكون أحياناً قصيدةً أخرى.
يختتم داعياً له: أتمنى له خالص المودة في خلوته "حديقة الشعراء" التي يعيش فيها يدون من قصائدها قطوفاً من ذاكرة الإبداع، في صحبة محمود ابن عمه الذي يروي له الطرائف عن واقعنا الذي نعيشه على صفحته "الفيس بوك" التي اتخذ منها طريقاً للحياة.

★★ وعن تجربته الشعرية يحدثنا عن تداخل الأجناس الأدبية في القصيدة العربية المعاصرة
"قراءة في تجربة الشاعر/ عزت الطيري"
الشاعر والناقد السيناوي حاتم عبد الهادي السيد ويستاهل حديثه قائلاً: شهدت القصيدة العربية الكثير من التحولات الفنية والجمالية على مستوى الشكل والمضمون منذ نهاية الألفية الجديدة وما بعدها، حيث عبرنا من الحداثة إلى ما بعد الحداثة؛ لتتلاقى الأجناس الأدبية داخل القصيدة العربية التي استطاعت - كما أرى - أن تحوي وتصهر كل الأشكال الأدبية والأجناس الإبداعية داخلها؛ لتعود من جديد إلى مجدها العريق؛ بعد أن شهدنا مقولات مثل: "زمن الرواية"؛ أو - كما قيل - بأن الرواية هي ديوان العرب؛ وغير ذلك.
ولقد رأينا أن مفهوم تداخل الأجناس الأدبية؛ أو الكتابة عبر الأجناسية قد شغلا الكثير من الباحثين والنقاد في كل ربوع العالم؛ كما دل مفهوم "الكتابة عبر النوعية Interdisciplinary Writing" على فكرة تداخل الأجناس والأشكال الأدبية، أو دمج أكثر من شكل أو نوع كتابي داخل النص الواحد، بما يعني تضفير الكتابة من خلال توظيف أجناس أدبية عديدة، بأن نجد النص - مثلاً - حاوياً للقصة والقصيدة، أو القصة والمسرح، أو المسرح والشعر، أو الشعر والدراما... إلخ. وهو أمر يشير في جوهره إلى حاجة الأديب إلى تخطي جنس أدبي ما، بتقاليده المعروفة والمستقرة، في سبيل الكتابة من خلال أجناس أدبية أخرى، بدمجها معاً، والاستفادة من المعطيات الجمالية، والشكلية؛ والرؤيوية التي تتوافر في الأشكال الأدبية الأخرى، وكذلك في الفنون المرئية والمسموعة.
إن مفهوم الكتابة عبر النوعية ينفتح ليشمل مختلف العلوم، ويناهض التخصص الضيق في علم ما، ويتوجب على الباحث - بحسب قول "د. مصطفى عطية جمعة": "أن يكون ذا أفق واسع يستفيد من مختلف العلوم والفنون".
إن الدراسات المستقبلية في القرن الحادي والعشرين تتميز بالانفتاح على مختلف المكونات الإنسانية في العلوم والفنون، وكل ما من شأنه أن يساعد على فهم الإنسان في أي مكان في العالم، مع مراعاة خصوصية المجتمعات والأفراد؛ لأن هذه الكتابة تسعى لإذابة الحدود بين العلوم والفنون والتكنولوجيا، ولا تنظر - كما أرى - إلى النوع الأدبي Genre؛ أو النوع النووي؛ ولا لمسألة الجنوسة "الإجناسية"؛ بل سعت الكتابة الجديدة إلى التكاملية والتزاوج بين العلوم والفنون؛ كما سعت لتذويب المركزيات والثقافات والهويات؛ من أجل عولمة العالم؛ أو خلق ثقافة عالمية تذوب الفوارق الطبقية والعرقية؛ لما يمهد للقطبية؛ وتغليب - ربما - ثقافة إمبريالية؛ أو أنجلوسكسونية؛ أو سعي لحوار الثقافات؛ أو صراع الحضارات كذلك... لكن مع كل ذلك مهدت الكتابة عبر النوعية لخلق وعي عالمي نحو تكاملية العلوم والفنون؛ وغدا الفن من أجل الحياة هو التأسيس الأول نحو كونية الثقافة؛ وعالمية الشعر؛ رغم العولمة التي تحاول عن طريق الشركات عابرة القارات إلى خلخلة الهويات ومحو الثقافات والأديان - كما أرى -؛ أو أنها تنحو لتأسيس لغة عالمية كونية جديدة من خلال الشعرية المعاصرة؛ والسعي نحو عالم ما بعد الحداثة بتناقضاته المختلفة؛ وأيديولوجياته المهيمنة - بعيداً عن فكرة المؤامرة التي لا أنحاز إليها مطلقاً، كذلك.
يضيف: (عزت الطيري... وفضاءات مغايرة)
ولد الشاعر/ محمد عزت الطيري في قرية نجع قطية بمحافظة قنا سنة 1953، وتخرج في كلية الزراعة بجامعة أسيوط عام 1978، وبدأ كتابة الشعر وهو لا يزال طالباً، قبل تخرجه في الجامعة.
ولقد استطاع الشاعر المصري/ عزت الطيري أن يبتني لنفسه مكانة متميزة ومغايرة في الشعر المصري المعاصر - ولقد خطط لأن يكون شعره مختلفاً ومتمايزاً - ولقد تجلى ذلك في مزجه للأجناس الأدبية، والاستفادة منها لرفد قصيدته بالكثير من جماليات الدراما الشعرية، بل وتعداها إلى مسألة "المونولوج"، و"الإبيجراما الشعرية"، والقصائد الفكاهية الساخرة، التي تحمل العديد من المضامين الاجتماعية، والسياسية، والثقافية، وتنتقد الواقع، لتعز الإيجابيات، وتضع أيدينا على السلبيات، معتبراً أن وظيفة الشعر لا تقتصر على المتعة فحسب، بل تحفل بالدور المجتمعي الذي يستشرف تغيير الواقع إلى الأفضل كذلك.
لقد كان مشروع الطيري الشعري يقوم على استنطاق التفاصيل اليومية، وتحويل الهامشي والعابر، والمغاير، إلى بنية دلالية كثيفة تكشف تعقيدات الإنسان المعاصر وأسئلته الوجودية.
ولعل نشأته في صعيد مصر قد أكسبته جلال وقداسة الجبال، ورقة وجمال الخضرة، وطراوة المدينة كذلك، فظل الطيري وفياً للإنسان البسيط، منحازاً إلى نبض القرية المصرية، وإلى أحلام البسطاء، التي تتحول في قصائده إلى أسئلة وجودية كبرى، وموضوعات مركزية كذلك، ولقد تجلت معالم هذا المشروع الشعري الكبير من خلال دواوينه الشعرية: «دع لي سلوى»، «عد لنا يا زمان القمر»، «الطريق السهل مقفل»، «تنويعات على مقام الدهشة»، «فصول الحكايات»، «وسرب العصافير يسأل عنك»، «فاطمة»، وديوان «افتحي الصيف لي»، وأخيراً ديوان "عبير الكمنجات"، وغيرها.
وتتركز محاور مشروع الطيري على عدة بنى ومحاور - كما أرى - حيث جعل من المخاتلة، والدهشة، والحكاية الشعرية، والإبيجراما، والفكاهة، وخفة الظل الدرامية، بل والإنسان ذاته وأحواله؛ محاور رئيسة لمشروعه الشعري الإنساني متعدد الجوانب، والمدهش والمثير، والطريف كذلك، والجاد المعبر عن أحوال المجتمع، والكون، والعالم والحياة، أيضاً.
وباستقراء سيميولوجيا عناوين دواوينه، فإننا نراها تكشف - منذ البداية - عن شاعر يرى العالم بوصفه حكاية مفتوحة على الدهشة والحنين والأسئلة، كما يتجلى حضور البنية الدرامية، بوصفها مكوناً جوهرياً في تشكيل القصيدة، لديه، حيث النص عنده لا يقوم على الغنائية الخالصة، بل على الحدث والصراع، والحوار الداخلي، و"المونودراما الشعرية"، وتعدد الأصوات، ومخاتلات الضمائر، عبر خطاب الشعرية المنفتح على براحات الروح، والذي يخش إلى بوابات القلب سريعاً. ويتجلى ذلك بوضوح في قصيدة «الراعي» التي تتجاوز ظاهر الحكاية العادية، إلى رمزيتها الإنسانية العميقة، يقول:
(الراعي/ يكسر مزماراً/ ويقامر/ حين اكتشف ضياع النعجة/ من سرب قطيعه).
فالراعي هنا ليس شخصية ريفية عابرة، بل صورة للإنسان الذي يفقد جزءاً من يقينه فجأة، فيدخل في متاهة الشك والمراجعة والبحث عن المعنى، وما ورائياته المثيرة.
ويتوقف الناقد عند التوتر الدرامي، وتداخل الأجناسية عبر التساؤلات القلقة، والميثولوجيا الدالة، يقول:
(أتراني أحصيت نعاجي خطأ/ عند خروجي في الفجر إلى المرعى/ أتراني نمت/ فجاء الذئب/ وجاءت ريح وغبار).
إنه يستنطق القارئ هنا، وتشاركيته لصنع المعنى، وإنتاج الدلالة، كقارئ مشارك في صنع شعرية المعنى، وما ورائياته السيميوطيقية البعيدة.
أما في قصيدة «ويدي عاجزة» فنلمح تراجيديا الذات وانكساراتها، عبر أفعال وصور العجز تنسحب من المعنى المباشر إلى ما ورائيات المعنى، حيث تدلف إلى الذات، ثم إلى المجتمع، والعالم، يقول:
(ويدي عاجزة/ أن تمسك حلماً/ أن تصطحب فراشات/ تهرب/ من مصباح الوهم/ إلى وهم المصباح).
هنا تتجاوز الصورة الشعرية بعديها: الجمالي، والتمايزي، لتغدو بنية فلسفية حيث الحلم يتحول إلى كائن مراوغ، بينما يصبح الوهم دائرة مغلقة لا يستطيع الإنسان الإفلات منها. ثم يستمر في سرد شعري شاهق عبر لغة رصينة، وصور فنية وجمالية تتكون عبر الحركة، لا عبر الوصف الجامد. فالفتاة - كما سيجيء - لا تُرى بقدر ما تُدرك من خلال أثرها العابر، وهو ما يمنح النص طاقة إيحائية كبيرة حيث يبلغ النص الشعري الدرامي ذروة شفافيته العاطفية، وجمالياته الروحية المثالية على أوراق القلب الأخضر، يقول:
(أن ترقب أطياف فتاة/ مرت كالوجع/ وألقت ما في بسمتها من عناب/ وتخلت/ وتولت/ كعناقيد الفجر/ ومرقت/ كالعطر). فهو يترك هنا لمخيال القارئ إكمال دائرة المعنى، وسد فراغاته، وفجواته الدافقة.
لقد أراد الشاعر أن ينطلق من الفوضى ليعيد تأسيسية الجمال؛ فهي فوضى تخصه، فوضاه هو، لا فوضى الآخر؛ وهو بهذا التفحص وتلك البراحات المتميزة - يعيد بناء تلك الفوضى التي تشظت في الفؤاد والروح؛ وغدت تشكل هيولياً سابحاً عبر أوردته؛ وكأنه يريد إعادة التنظيم للذات المهترئة؛ المبعثرة؛ والموزعة على عتبات العالم، ومجراته؛ عبر جغرافيا الأركيولوجيا الشعرية المعاصرة. ولعلنا نلمح تلك المخاتلة الشعرية، وجمال وخفة روح الشعر لديه، والميل إلى الفكاهة، والسخرية الممزوجة بميثولوجيا الرمز، الذي ينسحب إلى مواقف بعينها، فنراه في قصيدته: "مذكرات سجين" يجنح إلى تصوير الحرية والخروج من الزنزانة ليصبح السجين حراً، لكننا لم نره يتحدث عن ذلك سوى بأسلوب فكاهي، وبحس لطيف، ومتخيلات تجنح إلى ما ورائيات المعنى، حيث تتغيا تشاركية القارئ، وكأننا أمام "قصيدة اللغز الشعري" أو "قصيدة الأسئلة". ولعمري - فإن الشاعر هنا يستدعي علم النفس الذاتي، و"سيكودراما الذات" التي تدفع المريض النفسي ليبوح بمكنون جوانياته، عبر الفضاء الحر، فيركز على إظهار مجترحاته عبر التمثيل، أو البوح، فيدخل إلى عمق الذات ليتحر من مرضه النفسي. وعبر التماثل، والتقارن، يريد السجين هنا أن يتحر من سجنه، عبر التساؤلات الذاتية، وخفة ظل القصيدة وفرادتها، فنرى الشاعر - هنا - قد جدد بنية النص اللغوي، وأعطاه طاقة مغايرة؛ عن طريق المفارقة، ومخاتلة القارئ. ليحيله من موضوع عام، إلى المعنى الخاص الذي يستلبه، عبر مونودراما موحية، أو ميلودراما شعرية مغايرة تثير الدهشة، وتخاتل العقل تماماً، وتلك لعمري (قصيدة المعنى)، أو قصيدة ما بعديات الحداثة الشعرية؛ يقول:
(وسجينٌ/ ضاجعَ شمساً/ دخلتْ/ من شُبَّاكِ الزنزانةِ/ قالَ اللغويُّ: يجوزُ،/ لأنَّ الشمسَ/ بإجماعِ الآراءِ الموثوقةِ/ أنثى/ قال أخوهُ اللغوي الآخرُ حسناً/ ماذا لو دخل عليه مع الليلِ/ قمر؟).
إن شاعرنا هنا يستخدم "الأكسيولوجيا" التي تحفل بالقيم، وباللفظ؛ عبر قيم ما ورائيات المعنى، والحالة الذاتية لكل من يجثو بغرفة الزنزانة، والجو النفسي، التراجيدي هناك، كذلك!!.
ولعلنا نلمح تحولات لغة النص، وطراوة المعنى، وظرف الحس الشعري، والتناول الفني المبكر للغة المعنى التي يطلقها، ويجعلنا نبحث خلفه معها؛ في براحات العقل والروح؛ والزمن، والعالم، والحياة. حيث "التكنيك اللغوي" الذي يعتمد "اقتصاديات المعنى"، وجماليات الصور المتتابعة، وسرعة الحركة التي تصنع التوتر والإدهاش، لتحيلنا إلى شعرية تجديدية مغايرة، عبر لغة تطيعه - طوال الوقت - فيشكل منها عجينة الخلود الشعري، وفرادة القصيدة، أو (الإبيجرامات الشعرية القصيرة) وبهاءها، وتغايريتها. ولعلنا نلمح ذلك في قصيدته "فأرٌ شاعر"، يقول: (فأرٌ/ يتخيلُ/ أنَّ القمرَ رغيفٌ/ يتخيلُ/ أن نجوم الليلِ قطيعٌ/ من جُبنٍ دَسِمٍ/ فإذا مرَّ الغيمُ/ احتجبَ الخبزُ/ وغابتْ قطعانُ الجُبنِ/ طويلاً...).
وهنا نلمح إشارات الشاعر إلى مشكلة رغيف الخبز، وقوت الشعوب، فهو ينتقد ببراعة، ومخاتلة، ولا يتغيا سوى لفت الانتباه للمشكلة؛ لحلها، وتلك مهارة شاعر، أو طبيب يشخص الجرح، ويضعه أمام كبير الأطباء، أو المسئول، ليقوم بمداواة الجرح، لشفاء المريض، أو الشعب الجائع كذلك.
ويجيد الشاعر/ عزت الطيري استخدام القصائد القصيرة (الإبيجراما)، كما يجيد لعبة (الألغاز الشعرية) عبر مناشدة القارئ ليتشارك في حل اللغز الذي وضعه. أو أن مستغلقات الرمز قد أحالت النص الإبيجرامي إلى لغة ذات شيفرة غامضة، وعلى كل قارئ أن يتلقاها بحسب تصورات المخيال لديه، لأنه يصوغ نصه عبر لغة طازجة، ظريفة، ومخاتلة، وتغايرية عبر قصيدة إبيجرامية فريدة، أو مقطوعة شعرية قصيرة، مخاتلة - تجيد مشاكسة المتلقي عبر الغموض والتكثيف، والتقارن، والوجازة، والإزاحة، وعبر المثالية القيمية للمعنى، يقول في مقطعه "تاء التأنيث":
(تاءُ التأنيثِ الساحرةُ/ الولدَ الأسمرَ/ تعلن عن رغبتها في القتلِ/ علانيةً/ والولدُ الأسمرُ/ (والمفعولُ بهِ)/ من قصفِ التاءِ الغدارةِ/ (ممنوعٌ)/ حتى آخرِ رَمَقٍ فيهِ/ (من الإعرابْ).
وفي إبيجراماته نلمح - عبر المفارقة والتخاتل - معانٍ مغايرة، ولغة لطيفة تستلب القارئ، يقول:
(سيدةٌ عمياءُ/ تقود حبيباً/ لحديقة مشمشها/ وتقهُ/ منا الأعمى؟).
إن هذه التساؤلات القلقة عبر قصائده/ نصوصه تفتح للشعرية تجديدية مغايرة، ليتصدر المعنى المفارق/ الآخر، المتشائل، والهامشي متن المعنى المراد لدى الشاعر، والقارئ التشاركي، كذلك.
كما نلمح تدفق، وسلاسة لغة القارئ، والمعنى الذي يطيع قلمه - طوال الوقت - عبر "هيرمينوطيقا" لغة، تتوضأ بالطرافة، ويفوح منها العطر رقيقاً من خلال خفة ظل المعنى، وتأرجحه على موسيقا الروح. وكأنه يدخل جوانياتنا العميقة كنهر يتهادى بالجمال والجلال، يقول في إبيجرامته الشعرية "قميص وردي":
(من سمعَ/ صراخ قميصٍ/ ورديٍّ/ لم يحتمل جحيمَ النهدينِ/ فصاحَ/ أدركني/ يا رجلَ الإطفاء؟).
إن مفارقات الإبيجراما - هنا - تمنح الشعرية بهاءها، ورونقها، وجمالياتها الممتدة.
يكمل: في النهاية إن أبرز ما يلفت الانتباه في شعر عزت الطيري هو نزعته الدرامية الواضحة. فالقصيدة عنده لا تُبنى على التدفق الغنائي وحده، بل تقوم على المشهد والحوار والصراع، عبر لغة مواجهة لا تعرف التجميل الزائف، وهي سمة أساسية في مشروعه الشعري. كما أن قصائده الوطنية تزخر بجمالها خاصة، ولغة مفارقة كذلك.
لهذا يمكن القول إن الشاعر/ عزت الطيري ينتمي إلى فئة الشعراء الذين صنعوا لأنفسهم صوتاً خاصاً؛ يجمع بين الدراما، والحكاية، والغنائية، والرمز، والسخرية، والحنين. وهو صوت يظل قادراً على إدهاش قارئه، لأنه يخرج من قلب الحياة نفسها، لا من قوالب الشعر الجاهزة.
ففي عالمه الشعري يتحول الراعي إلى بطل تراجيدي، أو أسطوري، والحبيبة إلى سؤال وجودي، والقرية إلى وطن صغير، بينما تتحول اليد العاجزة إلى رمز لإنسان يبحث بلا توقف عن حلمٍ؛ يعرف أنه قد لا يُمسك به أبداً.
إنه الشاعر القلق، البسيط والملغز، والجميل والمتعمق، وصاحب الحس الدرامي الذي يجمع الأجناس الشعرية ويخلطها، ويعجنها ليشكل قصيدته/ نصه الأسطوري الفريد، المخاتل، والمغاير، والجميل أيضاً.
يظل الشعر رقيقاً، ورومانتيكياً، وعاشقاً جوالاً في قصائد الشاعر القدير/ عزت الطيري، ليصنع بصمة خاصة للشعر لديه، ويبتني لنا لغة تمتزج بالعلوم والفنون والآداب، وتتخطى المعقول واللامعقول، إلى اللامبالاة، التي تصنع فرادتها هناك عبر جبال الصعيد الشامخة، وعبر عالم الجمال الذي يصنعه الشاعر ليتربع - كما أرى - صدارة المشهد الشعري الذي يحتفي بالصور الحسية، والمشاهداتية، عبر لغة موشاة حالمة، وعبر فضاء يتسع للتجديد والتغايرية، والفرادة، والسموق كذلك.
ويختتم الناقد قوله: يتجدد الشعر بتجدد الرؤى، عبر العصور والأزمنة، وتظل لغة الشعر هي الفارس الذي يصنع التجديد والتجريب؛ عبر فضاءات وبراحات القصيدة العربية المعاصرة.

★★ حقا يستحق الشاعر المصري عزت الطيري وقفة نقدية، وهو ما أكده الناقد الأردني أيمن دراوشة بقوله: "ربَّ خطأٍ خيرٌ من ألف صواب".
ويُعد عزت الطيري واحدًا من الأصوات الشعرية المتفرّدة في المشهد العربي، فقد رسّخ حضوره في شعر التفعيلة بجدارة، جامعًا بين العمق الفني والالتقاط الذكي للتفاصيل الإنسانية. وحظيت بعض نصوصه بالدراسة في المناهج العربية، كما انتشرت أعماله في المجلات والصحف العربية والندوات الثقافية داخل مصر وخارجها، بما يعكس قيمة تجربته واتساع أثرها.
ويروي دراوشة قصة تعارفه مع الشاعر فيقول: "تعرفت على صديقي الشاعر بالصدفة، وعن طريق الخطأ، عندما راسلني معتقدًا أنني صاحب دار نشر. وهي صدفة محمّلة بالدهشة. قبل سنوات ذكر لي أحد أصدقائي المصريين شعرًا أذهلني، وعندما سألته عن قائله أجابني: إنه الشاعر عزت الطيري. فدفعني الفضول للاطلاع على أعماله الغزيرة عبر البحث".
ويضيف: "تمنيت التعرف عليه وتحرجت من طلب صداقته على مواقع التواصل، حتى حدثت تلك المصادفة العجيبة. فوجدت نفسي أمام شاعر يشتغل على اللغة بوعي مختلف، ويطرق موضوعات يصعب على غيره مقاربتها، مع نزعة واضحة إلى الطرافة الراقية التي لا تفقد عمقها الجمالي".
ويلفت دراوشة إلى ومضة الطيري اللافتة "تصدعت حبيبتي" كمثال على قدرته قائلاً: "تتجلى فيها قدرته على خلق مفارقة ساخرة ومكثفة، حيث تتداخل اللغة بالصورة لتنتج مشهدًا شعريًا غير مألوف، يجمع بين التوتر الدلالي والدهشة الفنية. ولفتني البعد الصوتي في النص، وما تحدثه تكرارات الحروف من نسيج موسيقي داخلي يمنح القصيدة حيويتها وخصوصيتها".
ويختم الناقد الأردني حديثه: "ردّ الشاعر الكبير على قراءتي النقدية لقصيدته كشف وعيًا فنيًا متقدمًا، وإدراكًا لأهمية التفاعل بين النص والقارئ، وهو ما يعز مكانته كشاعر يكتب ويُثير التأويل في آنٍ واحد. لقد كان شعر عزت الطيري بالنسبة لي تجربة مؤثرة فتحت أمامي أفقًا مختلفًا في قراءة الشعر، حيث تتجاور الدهشة مع العمق، وتلتقي البساطة الظاهرة مع البناء الفني الدقيق".

★★ فيما يرى الروائي المصري د. إيهاب بديوي:
يُعد عزت الطيري أحد أبرز الأصوات الشعرية التي خرجت من جنوب مصر خلال العقود الأخيرة. وقد حظيت تجربته بتقدير نقدي وثقافي واسع، وصدرت أعماله الشعرية الكاملة في عدة أجزاء، كما حصل على جوائز مهمة، وشارك في مهرجانات عربية عديدة، ومثّل مصر في فعاليات ثقافية خارج البلاد.
ورغم ذلك ظل بعيداً عن الضجيج الإعلامي.
عندما نتحدث عن عزت الطيري فإننا نتحدث عن تجربة شعرية متكاملة استطاعت أن تحافظ على أصالتها عبر ما يقرب من نصف قرن. وقد حصل الشاعر عزت الطيري بالفعل على عدد من الجوائز المهمة، منها: الجائزة الأولى في الشعر بمسابقة أبها بالسعودية، وجائزة اتحاد كتاب مصر لأفضل ديوان شعري، وجائزة عبدالعزيز سعود البابطين، كما نال جائزة الدولة التشجيعية في فرع المسرحية الشعرية، إضافة إلى تكريمات عربية متعددة في الشارقة والجنادرية وجرش والرقة وتونس.
لكن إذا كان المقصود: لماذا لم يحصل على حجم التكريم الذي يتناسب ـ في نظر كثيرين ـ مع مشروعه الشعري الممتد لأكثر من أربعة عقود؟ فهنا يمكن طرح عدة تفسيرات نقدية:
أولاً: اختياره البقاء بعيداً عن المركز الثقافي
ظل عزت الطيري مرتبطاً بنجع حمادي والصعيد معظم حياته، بينما تتركز المؤسسات الثقافية والإعلامية الكبرى في القاهرة. ورغم أنه نفسه رفض فكرة أن أديب الأقاليم مظلوم، وأكد أن الموهبة تستطيع الوصول، فإن الواقع الثقافي المصري ما زال يمنح أفضلية للحضور الدائم داخل دوائر العاصمة.
ثانياً: انتماؤه إلى جيل مزدحم بالأسماء الكبيرة
ظهر وسط جيل شعري ضم عشرات الأصوات البارزة، وبعضها ارتبط بالمؤسسات الثقافية والصحافة الأدبية بشكل أكبر، فاستحوذ على مساحة أوسع من الضوء النقدي والإعلامي.
ثالثاً: طبيعة شخصيته ومشروعه
الطيري من الشعراء الذين راهنوا على النص أكثر من رهانهم على الظهور الإعلامي أو صناعة الصورة الثقافية. كثير من المبدعين يحققون حضوراً إعلامياً يفوق حجم منجزهم، بينما بقي هو أقرب إلى نموذج الشاعر العامل في صمت.
رابعاً: أزمة الجوائز نفسها
المثير أن عزت الطيري عبّر علناً عن عدم رضاه عن بعض آليات منح الجوائز الثقافية، وصرّح عام 2025 أنه تقدم لبعض الجوائز عدة مرات دون فوز، وأنه يرى أن العلاقات والحظ قد يكون لهما تأثير في بعض الأحيان. وهذا رأيه الشخصي بالطبع، لكنه يكشف شعوره بأن التقدير المؤسسي لم يكن موازياً لما قدمه منجز شعري.
خامساً: الشعر نفسه أصبح أقل حضوراً
خلال العقود الأخيرة تراجعت المكانة الجماهيرية للشعر مقارنة بالرواية. لذلك نجد شعراء كباراً كثيرين لم يحصلوا على شهرة أو تكريم يوازي قيمة أعمالهم بسبب تغير الذائقة الثقافية، واتجاه المؤسسات والناشرين نحو السرد.
يختتم بالخلاصة:
إذا نظرنا إلى الأمر تاريخياً، فإن عزت الطيري ليس شاعراً مهمشاً ولا مجهولاً؛ فقد نال جوائز مهمة، وصدرت أعماله الكاملة في ثلاثة مجلدات، ومثّل مصر في مهرجانات عربية عديدة.
أما إذا كان السؤال عن سبب عدم تحوله إلى أحد الأسماء الكبرى المتصدرة للمشهد الشعري المصري رغم غزارة إنتاجه وقيمة تجربته، فالإجابة الأقرب هي اجتماع عدة عوامل: البعد عن المركز الثقافي، وطبيعة شخصيته غير الساعية إلى الأضواء، وأزمات المشهد الثقافي والجوائز نفسها، إضافة إلى تراجع الحضور العام للشعر مقارنة بالرواية خلال العقود الأخيرة. وهذا تفسير نقدي محتمل أكثر منه حقيقة قاطعة.

★★ ومن داخل بيت الطيري نختتم هذا الملف بابنته الأديبة جلاء الطيري، التي قالت بصوت هادئ:
"عشت لنا يا عزت"...
ثم استطردت تحدثنا عن الطيري الإنسان:
قالت: "هو الفتى الرومانسي الذي يترك قلبه مفتوحًا للبحر. يقف على الشط، يهدر كموجه الهادر، أو يظل ساكنًا صامتًا ينتظر عرائسه القادمات من البعيد. يترك شعره الناعم منسدلاً على جبهته، غير معني بكلام رجال القرية، فهو زعيمهم الذي لا تُرد له كلمة".
وأضافت: "نحسدك يا أبي على هذا الإرث. سليل ذكريات تتبع خطوك عن فتى وحيد، وبنت كالقمر اختطفها الموت بغتة في ريعان الصبا. فظللتَ وحيدًا... بين شفقة أم كانت تدس لك النقود خفية في علبة الكبريت، أو تخبئها لك في كيس أرز، وترسلهما مع أبيك. وأبيك كان يقسو عليك كثيرًا... هكذا تُربى الرجال".
وصمتت لحظة، ثم أكملت وعيناها تلمع: "وحين ظننتَ أنه لا يحبك، سافرتَ وحدك. ظللتَ أربعة أشهر وعشرة أيام في جامعة أسيوط. فجأة وصلك خطاب منه. فتحتَه بأصابع مرتجفة، فوجدتَه مجعدًا من أثر الدموع والوحشة. لكنه كصعيدي أصيل، كتب لك كلمة واحدة فقط: 'طمئنونا'. لأنه يرى أن المشاعر إذا نُطقت فهو اعوجاج لا يمكن استقامته. فكتبتَ له أنت أيضًا: 'اطمئنوا'. كلمة قصاد كلمة".
وهمست: "نحن حبيباتك وبناتك وصديقاتك. لا أعرف تحديدًا متى عرفتُ أنك أبي. ربما في المرحلة الابتدائية. كنتَ دائمًا على سفر... تأتي من سفر لتذهب إلى آخر، أخذك الشعر منا".
ابتسمت وقالت: "كنتَ تناديني 'أخي'، وأنا أناديك 'عزت'. فلا يمكن لهذا الفتى الصغير الذي كان يقتحم علينا البيت محملاً بالهدايا، وفي جعبته حكايا لا تنتهي، يغني لنا أغنية القمر، ثم يجلس في صمت يستمع لجدي وهو يحكي عن الأرض التي أورثها له، ويقول له: هي الأبقى، هي الجذر اللي هيشدك عشان تبقى، وتسيب أنوار القاهرة الخادعة وأحلامها".
خفضت صوتها وتابعت: "تسافر وتعود... وما بين سفر وعودة مات جدي. حينها فقط فهمتُ أنك أبي. فقد ورثتَ وجهه، صرامته، وصوته العالي حين نخطئ. هذا أنت يا أبي، هذا ما اعتدته عليك".
وفجأة ارتعش صوتها وقالت: "لكن المثير إني وجدتك تبكي. بالأمس جلستَ تحكي لي عن طفلة ماتت من الحزن على أخيها. وبينما كنتَ تسرد الحكاية، غامت عيناك وانهارت الدموع. حاولتَ تخبئها بيدك، لكن صوتك المخنوق فضحك. فنهضتَ فجأة وقطعتَ الحكاية، وانسحبتَ إلى حجرتك".
ومسحت دمعة وقالت: "واليوم حكيتُ لك عن منشور لصديقتي... عن طفلة في التالتة احتضنتها أسرة، ولما قالت 'ماما' و'بابا' واطمنت لهم، تركوها في دار رعاية. ظلت تصرخ وتتشبث بهما".
هنا انحدرت دموعك أنت يا أبي، وهمست لي بصوت مبحوح:
"ونبي بلاش الحكايات اللي توجع القلب دي".
ورفعت رأسها وختَمت: "عاش قلبك جميلاً رقيقاً... وعشتَ لنا أباً، وأخاً، وصديقاً، وسنداً. عشتَ لنا يا عزت".