مساحة إعلانية
في مدينةٍ لا تعرف أسماء سكانها، كان الناس يمشون كأنهم أفكارٌ ضلّت طريقها إلى الواقع.
البيوت متشابهة، الوجوه متشابهة، وحتى الضحكات… كانت تبدو كصدى قديمٍ فقد معناه.
كان هناك رجلٌ يجلس كل مساء على مقعدٍ حجري، يراقب ظله.
لم يكن ينظر إلى المارة، ولا إلى السماء، بل إلى ذلك الكائن الأسود الملتصق بقدميه، كأنه ينتظر منه أن يتكلم.
في إحدى الليالي،
بقي الضوء معلقًا بين السماء والأرض، كجملةٍ لم تُكتمل
لاحظ الرجل أن ظله لم يعد خلفه… بل أمامه.
نهض مرتبكًا.
تقدم خطوة… فتقدم الظل أكثر.
كأنه يقوده إلى مكانٍ لا يعرفه.
سار خلفه،
والمدينة من حوله تتلاشى تدريجيًا،
الأصواتاخفتت
والشوارع تذوب مثل حبرٍ فوق ورقٍ مبتل.
وصل إلى أرضٍ واسعة بلا ملامح،
لا شجر، لا بيوت، لا زمن.
توقف الظل فجأة.
وتوقف هو.الصمت ملا المكان، شعر أن قلبه يطرق صدره كأنه يريد الخروج.
بدأ الظل يتلاشى،
و صار هو نفسه أخف، أقل وضوحًا، كأن وجوده يعتمد عليه.
فهم في تلك اللحظة أن الظل ليس تابعًا له…
بل هو الذي يتبعه.
الظل كان خوفه القديم
كل الطرق التي لم يسلكها،
كل الكلمات التي ابتلعها،
كل الأحلام التي خاف أن يعيشها.
عندما اقترب من الظل، كأنه يقترب من ذاته التي هرب منها طويلًا.
مدّ يده…
لمس الفراغ،
كان دافئًا، كذكرى..... عاد الظل إلى قدميه…
لكنه هذه المرة لم يكن ثقيلاً.
كان خفيفًا، كأنه صار مجرد دليل، لا عبء.
عاد إلى المدينة،
فوجد الناس كما هم،
لكن شيئًا داخله تغيّر.
صار يرى الوجوه بوضوح،
يسمع الضحكات وكأنها تولد الآن،
والسماء لم تعد بعيدة… بل كأنها تنحني قليلاً لتصغي.
جلس على المقعد الحجري من جديد،
نظر إلى ظله…
واكتشف أنه لم يعد يراقبه،
بل يسير معه.
ابتسم لأول مرة منذ سنوات، وقال في سرّه:
"نحن لا نخاف من الظلام…
نحن نخاف من الأشياء التي يكشفها الضوء."
ومع آخر خيطٍ من الغروب،
بدا وكأن المدينة كلها تتحول إلى فكرةٍ واحدة:
أن الإنسان…
لا يضيع حين يسير في الطرق المجهولة،
بل يضيع فقط…
حين يتوقف عن البحث عن نفسه.