مساحة إعلانية
بقلم المستشار/ بهاء المري
رئيس محكمة جنايات الإسكندرية
حين يتحول الحكم الغيابي إلى قيد شامل على الملكية وحق التقاضي
اعتبارًا من الأول من أكتوبر القادم (2026)، فإن كل حكم يصدر بالإدانة في غيبة المتهم «يستلزم حتمًا» حرمانه من التصرف في أمواله أو إدارتها أو رفع أية دعوى باسمه، وبطلان ما يجريه من تصرفات أو التزامات.
ولا يقصر النص هذا الأثر على الجرائم التي تتصل بالأموال، وإنما يمتد إلى كل حكم غيابي بالإدانة، أيا كانت الجريمة، من جنايات التزوير والمخدرات والسلاح الناري إلى القتل، إلخ، من الجنايات.
ولا تكمن المشكلة في مجرد الحراسة؛ فالدستور يجيز فرضها على الملكية الخاصة في الأحوال التي يحددها القانون بحكم قضائي، وإنما تثور الشبهة حول الكيفية التي أنشأ بها المشرع هذا الأثر، ومدى توافقها مع الحماية الدستورية للملكية وحق التقاضي وضمانات المحاكمة العادلة.
وأخطر ما في النص عبارة «يستلزم حتمًا»، إذ تنقل المسألة من مجال التقدير القضائي إلى الأثر القانوني الآلي. فالمحكمة، بحسب ظاهر النص، لا تبحث في قيام خطر حقيقي يتهدد المال، ولا في ضرورة الحراسة أو نطاقها، وإنما يفترض القانون الخطر بمجرد صدور الحكم الغيابي.
وقد استقر قضاء المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 26 لسنة 12 قضائية «دستورية»، جلسة 5 أكتوبر 1996، على الطبيعة التحفظية للحراسة، وعلى ضرورة أن يكون فرض القيود على الأموال في إطار الضمانات القضائية اللازمة.
ومن ثم يثور التساؤل: هل يجوز أن تتحول الحراسة من تدبير يقدره القضاء عند قيام الضرورة إلى أثر حتمي يفرضه القانون على جميع أموال المحكوم عليه؟
وتزداد الشبهة اتصالًا بالمادة 35 من الدستور التي تصون الملكية الخاصة، إذ إن الملكية لا تعني مجرد بقاء المال في ذمة صاحبه، وإنما تشمل سلطات التصرف فيه وإدارته واستغلاله.
الضمانات الدستورية التي تواجه النص
المادة 35 من الدستور تحمي الملكية الخاصة. والمادة 97 تحمي حق التقاضي. والمادة 96 تقرر أصل البراءة وضمانات المحاكمة العادلة. والمادة 92 تمنع القيود التشريعية على الحقوق والحريات من بلوغ حد المساس بأصل الحق أو جوهره. والمادة 94 تجعل سيادة القانون أساس الحكم في الدولة، وتربط استقلال القضاء وحيدته بحماية الحقوق والحريات.
أقوى مواضع الشبهة
إن أقوى مواضع الشبهة يبدو في حرمان المحكوم عليه من «أن يرفع أية دعوى باسمه». فالمادة 97 من الدستور تقرر أن «التقاضي حق مصون ومكفول للكافة». والنص لا يقصر المنع على الدعاوى المتعلقة بالأموال المحروسة، بل يطلقه على «أية دعوى»، ولو كانت متعلقة بحق لا صلة له بالجريمة أو بالحراسة. وهو ما يمس بحق التقاضي.
ومن هنا تتصل المادة 372 كذلك بالمادتين 92، 96 من الدستور، فضلًا عن مبدأ سيادة القانون. فالمشرع لا يُمنع من حماية الأموال أو ترتيب آثار على الأحكام الغيابية، لكنه يظل مقيدًا بألا تتجاوز الوسيلة التشريعية الضرورة أو تمس جوهر الحق.
ومن ثم، فإن موضع الشبهة ليس في أصل الحماية التحفظية، وإنما في تحويل الخطر المحتمل إلى خطر مفترض، والحراسة إلى أثر حتمي، ثم تجاوز الغرض التحفظي إلى حرمان المحكوم عليه من حق التقاضي إطلاقًا.
فإذا كانت العقوبة تحفظية، فلا بد أن تكون مرتبطة بخطر وضرورة وتناسب، وإلا فقد التدبير مبرره التحفظي وتحول إلى جزاء فعلي يمس المركز المالي للشخص.
ولذلك، إذا أثير الطعن، فقد يكون الأوفق ألا ينصب على المادة 372 بأكملها، وإنما على عبارتين تحديدًا: «يستلزم حتمًا حرمانه من أن يتصرف في أمواله أو أن يديرها»، و«أو أن يرفع أية دعوى باسمه»؛ إذ تكمن فيهما، على نحو خاص، شبهة تجاوز حدود السلطة التشريعية في تنظيم حقوق كفلها الدستور وصان جوهرها.
منشور فيسبوك من صفحة
المستشار/ بهاء المري
رئيس محكمة جنايات الإسكندرية