مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

سأتكئ على ظلي ... شعر حسن غريب أحمد

2026-06-30 07:13 PM  - 
سأتكئ على ظلي ... شعر حسن غريب أحمد
الشاعر حسن غريب أحمد - العريش

سأتكئ على ظلي...

لا لأن الظلَّ أكثرُ وفاءً من البشر،

بل لأنني تعبتُ من عدِّ الراحلين،

 ومن ترميم المقاعد الفارغة على موائد الانتظار.

كلما ظننتُ أنني وصلت إلى شاطئٍ آمن،

 اكتشفت أن البحر كان يتنكر في هيئة أرض،

وأن الأمواج تحفظ أسماءنا جيدًا كي تعرف كيف تعيدنا إلى الغرق.

لهذا... لم أعد أمدُّ يدي إلى أحد.

أتركها معلقةً في الهواء قليلًا،

 ثم أعيدها إلى جيبي مثل جنديٍّ عاد من معركةٍ خاسرة وهو يعرف أن الهزيمة لم تكن في السلاح، بل في الثقة.

سأتكئ على ظلي...

فقد صار أقرب إليَّ من اسمي.

يعرف عدد الشقوق في روحي،

ويعرف كم مرةً انكسرتُ دون أن يسمع أحدٌ صوت التحطم.

يعرف أنني كنتُ أبتسم وفي صدري مقبرةٌ كاملة،

 وأصافح العالم بيدٍ باردة بينما كانت الحرائق تلتهم أعماقي.

يا لهذا العمر...

كم خدعنا بالأبواب المفتوحة،

ثم تركنا في ممراتٍ بلا مخارج.

كم منحنا وجوهًا تشبه الأمان،

 ثم كشف لنا متأخرًا أن الأقنعة كانت أصدق من أصحابها.

وكم أقنعنا أن السند يأتي من الخارج،

 بينما كانت الجبال تنمو بصمتٍ في داخلنا.

الآن...

أعرف أن الكارثة ليست ما يهدم بيتك،

 بل ما يهدم يقينك.

وأن المصيبة ليست ما يسلبك شيئًا تحبه،

بل ما يجعلك غريبًا عن نفسك.

لذلك، حين جاءتني الخسارات متتابعة كأنها فصول عامٍ لا ينتهي،

لم أقاتلها.

جلستُ قبالتها، أنظر في عينيها طويلًا،

حتى اكتشفت أنها لم تأتِ لتقتلني، بل لتجردني من كل ما ليس أنا.

نزعت عني أوهامي، وأخذت معها ضجيج التوقعات،

وتركتني وحيدًا...

نقيًّا كجرحٍ جديد.

ومنذ ذلك الوقت صرتُ أمشي خفيفًا.

لا أحمل أحدًا فوق ظهري،

 ولا أحمل قلبي إلى أبوابٍ مغلقة.

أمشي ومعي ظلي، كراهبٍ فقد كل شيء فربح نفسه.

أمشي... وأعرف أن الطريق لن يرحم،

 وأن العواصف لن تعتذر،

وأن العالم سيواصل دورانه غير آبهٍ بمن يسقطون على الهامش.

لكنني أيضًا أعرف أن في أعماقي نارًا تعلمت من الرماد كيف تبقى.

وأن الإنسان حين يفقد كل ما كان يظنه قوة، يكتشف القوة الحقيقية.

وحين تنطفئ المصابيح كلها، يرى النور الذي كان مختبئًا فيه.

لذلك...

سأتكئ على ظلي، لا هربًا من الناس، بل عودةً إلى نفسي.

سأتكئ على ظلي حتى إذا ضاق الكون بما رحب،

وجدت في داخلي متسعًا.

وحتى إذا تكاثرت الخيبات كغربانٍ سوداء فوق رأسي،

 بقيت واقفًا كشجرةٍ تعرف أن الريح مهما اشتدت لن تأخذ جذورها.

سأتكئ على ظلي...

وعلى يقينٍ قديم أن الله لا يترك قلبًا أحسن التوكل عليه.

أما البشر... فأمنحهم المحبة إن استطعت،

 وأمنحهم العذر إن أخطؤوا،

لكنني لن أضع مصيري في جيب أحد.

فقد تعلمت متأخرًا، وبثمنٍ باهظ،

أن النجاة تبدأ حين يصبح الإنسان سند نفسه،

 ورفيق روحه، وحارس قلبه، في مواجهة هذا العالم.

مساحة إعلانية